من بين اللحظات التي ارتبطت فيها فرنسا بافريقيا هي، تنظيم سباق سيارات شهير يُطلق عليه «رالي باريس ـ داكار»، وهو سباق يبدأ من فرنسا وينتهي في عاصمة السنغال.
بعد أن يعبر شمال افريقيا وكذلك الصحراء الكبرى، ومنذ انطلاقته عام 1978 حصل أن مرّ كذلك من ليبيا، فقد شكلت ليبيا واحدة من محطاته في زمن سالف، مع أنها لم تدم طويلا.
وهذا الحدث سوف يكون علامة ارتكاز في رواية «شجرة القلائد» لمحمد الأصفر (دار الفرجاني).
لم يجعل المؤلف من هذا السباق حدثا رياضيا وميكانيكيا مفرغا من قيمته الإنسانية، بل نسج حكايات تدور من حوله، وتدور من حوله مصائر شخصيات الرواية.
لم ينطلق في الكتابة من بداية السباق في فرنسا، بل انتظر مرحلة العبور من ليبيا ثم الوصول إلى دول الساحل.
كما جعل من شخصية امرأة مغربية مركزا يرافق رالي باريس ـ داكار، وتكون هذه المرأة في قلب السباق.
»بعد عدة إجراءات ومقابلات مع مؤسسات أمنية ورياضية وسياحية، وافقوا على منحنا عقدا لمرافقة سباق رالي طرابلس داكار الدولي، مكتبنا السياحي سيرافق المتسابقين، ويقدم لهم خدمات سياحية واستشارات وتسهيل إجراءات، وأيضا خدمات الرعاية الصحية لمن يعاني من المرض، أو يتعرض للدغ عقارب أو حيات في الصحراء، كذلك سينصب لهم مخيمات الراحة في الطريق داخل ليبيا والنيجر وتشاد.
وبناء على العقد، تحصل مكتبنا على قرض بالعملة المحلية والصعبة من مصرف ليبيا«.
هذه اللحظة من الإجراءات ومن المعاملات الإدارية، سيتلوها سباق آخر في مطاردة الحكايات وفي فهم سياقات ملتبسة جمعت بين ليبيا (زمن القذافي) ودول الجوار الافريقي، مع ما شابها من أحداث دامية إثر حرب مع تشاد، وكذلك لحظات صفاء بين الشعبين.
هذه الرواية تحيل القارئ إلى العمق الافريقي، إلى جيران العرب الذي نادرا ما نصغي إليهم في الأدب.
من خلال هذا المقطع يتبين أن الحدث لا ينحصر في شؤون الرياضة، بل نجد أنفسنا إزاء حدث تتداخل فيه السياسة بالمال، فقد كان رالي باريس ـ داكار حدثا يترقبه الجميع، من قادة دول وكذلك من أشخاص عاديين، من سائقين محترفين ومن هواة.
كان لعبة سياسية وليس مجرد مغامرة رياضية.
إنها قضية وطنية عندما يعبر السباق واحدة من الدول الافريقية، التي أشرفت على المرحلة في ليبيا امرأة مغربية اسمها موجة.
وقبل أن تصل هذه الشخصية إلى ليبيا، يحكي المؤلف عن قصتها في بلدها، لقائها بحبيبها هارون، وهو رجل ليبي، غامر من الصين إلى مراكش قصد الوصول إليها.
تعلق قلبه بها، ثم تزوجا.
وجمعت بينهما قلادة، لأن القلادة في نظرها ليست للزينة وكفى، بل هي برهان حب بين رجل وامرأة.
والقلادة ستصير قلائد، ثم شجرة قلائد وهي الرمزية التي يحيل إليها النص، ولا بد من فهم التفاصيل الأولى كي نفهم من أين جاءت القلائد، وما هي علاقتها بليبيا.
تعلم بطل الرواية هارون الحب إلى جانب موجة، ومنها تعلم لهجتها المغربية، ثم تعلم أغاني العيطة والسير في أزقة وحارات مراكش من غير هدى.
تعلق بها مثل القلادة التي تعلقها على عنقها.
علمته الاستماع إلى أغاني العيطة، وأن يجرب الأكلات المحلية.
كما تعلمت منه بدورها ثقافته الليبية.
في هذا التلاقي بين ليبي ومغربية تتحرك فصول الرواية، ومن مراكش يسافران إلى بنغازي، ويتحول شغف موجة إلى العمل في السياحة، ثم في إدارة واحد من أشهر سباقات السيارات في العالم.
تُصاحب المتسابقين وهي تُسابق في الآن نفسه أحلامها وحبها لهارون، في رواية كُتبت بلغة تعلو فيها العامية على حساب الفصحى، تطغى عليها كلمات ومفردات تحتاج إلى وعي بالقواميس المحلية قصد فهمها، مع ذلك فإنها رواية لم تخلُ من روح الدعابة ومن خفة الدم في الحوارات، وكذلك في تتبع مصيري الشخصيتين الرئيسيتين.
نشاهدهما في حياتهما وفي تنقلهما بين الأمكنة، وفي تقاربهما، وفي تتبعهما مسار سباق سيارات، وهو سباق سيوصلهما إلى مجاهيل الصحراء الكبرى.
لم يكتف المؤلف بمسابقة السيارات في رالي باريس ـ داكار، بل يسابق كذلك العادات والتقاليد والتراث في بلده ليبيا.
يحكي عن ليلة حناء، وعن الزفة والعيطة وغناء المرسكاوي، وعن أرز بالخلطة وعصبان وتورتة من خمس طبقات، وعن التبضع في أسواق بنغازي، وعن الأمكنة التي زارها أو ينوي زيارتها، في الجبل الأخضر، والمرج، وطلميثة، ووادي الكوف، والبيضاء، وشحات، وردنة، ورأس الهلال، وكورنيش بنغازي، وعن البحر والشمس، وعن الرمال البيضاء والمياه الصافية.
يضع القارئ إزاء خريطة مستحدثة عن ليبيا، عن مواقعها والأمكنة الخفية منها، وعن الأطعمة والموسيقى وأهواء أهلها.
ويمنح محمد الأصفر لهذه التفاصيل اليومية مساحة واضحة داخل السرد، فلا تبدو مجرد إضافات عابرة، بل عناصر تساعد على رسم صورة للمجتمع الليبي وتنوعه الثقافي.
فبين الاحتفالات الشعبية والعادات المتوارثة والأغاني المحلية، تتشكل خلفية إنسانية ترافق الشخصيات في رحلتها الطويلة.
كما أن الانتقال بين المدن والقرى لا يقدم بوصفه تنقلا جغرافيا وكفى، إنما بوصفه اكتشافا متواصلا للأمكنة والناس والذكريات، تبدو الرواية حريصة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان روحه وتجعله حاضرا في الحكاية.
يستعيد المؤلف الموروث قبل أن يواصل السير في سرديات عن الصحراء الكبرى، ودول الساحل.
ينتقل من بقعة إلى أخرى، فتتحول الرواية بدورها إلى رالي سردي، إلى سباق في توصيف المواقع، إلى نجيمي في النيجر، وإلى أنجامينا، وأجاديز، وطاوة، ونيامي.
يطوف في مالي وموريتانيا، قبل أن يصل الحكي إلى خط النهاية في داكار.
ففي رواية «شجرة القلائد» يصير المكان كذلك بطلا، فالسرد في حركة مثل حركة المتسابقين، يغوص في دروب الصحراء الكبرى، ينزع عنها صورتها النمطية بوصفها مكانا للخلوة والتأمل والهدوء فحسب، فيحولها إلى مكان للقلق والسؤال.
نلاحق السيارات في مسارها مثلما يلاحق الكاتب الحكايات، ويلاحق أحلام بطلته موجة في علاقتها مع هارون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك