قناة التليفزيون العربي - لماذا يستهدف المستوطنون ممتلكات الفلسطينيين في الضفة الغربية من سهول قمح وأشجار زيتون وماشية؟ التلفزيون العربي - أميركا تعلن ضرب أهداف إيرانية بعد هجوم هرمز.. الحرس الثوري يتوعد بالرد العربي الجديد - فرنسا تهزم النرويج والعراق يودع كأس العالم بخسارة قاسية قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة | انعكاسات اتفاق بيروت وتل أبيب على مسار تفاهم واشنطن وطهران قناة الشرق للأخبار - سر تصريح نتنياهو الناري.. كيف تحول اتفاق الحدود إلى "فخ استراتيجي" لـ إيران؟ قناة الحرة - ما بعد اتفاق واشنطن: ماذا ينتظر جنوب لبنان؟ العربي الجديد - غارات أميركية على مناطق جنوبي إيران بعد استهداف سفينة في مضيق هرمز التلفزيون العربي - "باتمان" المسكيك يقبض على اللصوص ويربطهم بالأعمدة العربي الجديد - الحرب في المنطقة | ضربات أميركية على إيران والحرس الثوري يتوعد بالرد قناه الحدث - سنتكوم: نفذنا ضربات على إيران ردا على مهاجمتها السفن بمضيق هرمز
عامة

«موتسارت» الشرق … «زرياب» ينجو

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

من المفارقات العجيبة في حياة البشر على مرّ الزمان، بدءًا من مستهل بدء الخليقة، أن العباقرة الذين يتميَّزون بذكاء حاد يفوق معدلات الأشخاص شديدي الذَّكاء، تلاحقهم التعاسة أينما حلَّوا، وأن العزلة والشعو...

من المفارقات العجيبة في حياة البشر على مرّ الزمان، بدءًا من مستهل بدء الخليقة، أن العباقرة الذين يتميَّزون بذكاء حاد يفوق معدلات الأشخاص شديدي الذَّكاء، تلاحقهم التعاسة أينما حلَّوا، وأن العزلة والشعور بالوحدة هما دومًا خير أنيس ورفيق، حتى ولو كان الفرد محاطًا بالكثيرين من الأهل والأصحاب.

فبالرغم من الاندماج الظاهري للعبقري داخل مجتمعه، لكن الشعور بالوحدة والعزلة يظل سجنًا حتميًا خانقًا يحيط به.

أمَّا الأمر المدهش فهو أن الشخص العبقري الذي يكره هذا السجن الذي يشكِّل طوقًا حديديًا يضيق تباعًا على رقبته، وفي الوقت نفسه لا يرغب في الإفلات منه؛ لأنه صمام الأمان الوحيد الذي يتبقَّى له في حياة لا يستطيع فيها إماطة اللثام عن مكنونات عقله وشخصيته لأي فرد؛ فالمجتمع لا يرحم العباقرة ولا يستكين إلَّا بعد تحطيمهم وتمزيق معنوياتهم إربًا لضمان عدم نهضتهم مرَّة أخرى لممارسة أنشطتهم العبقرية التي تحبط من هم دون ذلك وتجعلهم يشعرون بنقص بالغ.

ولهذا السبب، كان الكاتب الإيرلندي العبقري السَّاخر «أوسكار وايلد» Oscar Wilde (1854-1900) يردد بحصافته المعهودة: «لدى العامة قدرة مذهلة على التسامح، في مقدورهم الصفح عن أي شيء، فيما خلا العبقرية».

وعلى هذا، قيل إنّ العبقرية لا تجلب سوى الشقاء لمن ابتلي بها، ولقد دلل على صحة تلك الفرضية الفيلسوف الروسي «فيودور ديستوفسكي» Fyodor Dostoevsky (1821-1881) ذو الكتابات التي لا تزال حتى الآن نابضة بالحياة عندما أكَّد أن «الألم والمعاناة مصير لا مفرّ منه، يكتوي بهما الذكاء الكبير والقلب العميق المشاعر».

ولم يكتف بهذا فحسب، بل أضاف أنه يعتقد أن جميع العظماء لا بد محتوم عليهم المعاناة، من حزن عميق طوال فترة وجودهم على ظهر الأرض.

وهذه ليست بالآراء الفردية، بل يتفق معها كل أديب أو فيلسوف أو عالم في كل زمان ومكان، فالقاسم المشترك بين الجميع هو المعاناة، بسبب أنه يتوافر لديهم بصيرة نافذة في كثير من الأمور، ولكن ليس لديهم السيطرة على أي شيء، وهذا الوضع يعني أن عبقريتهم المكبَّلة تلك تجعلهم يشعرون بأسوأ أنواع الألم والمعاناة اللذين لا يجلبان سوى تأصيل شعور من التعاسة والإحساس بالدونية، بالرغم من أنه يفترض جدلًا أن العباقرة يملأهم شعور بالعظمة بسبب تفوّقهم وتميّزهم.

وهذا بالفعل ما عبَّر عنه الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» Friedrich Nietzsche (1844-1900) عندما وصف الشخص العبقري بأنه شخص «مُبذِّر»؛ فمن وجهة نظره، حسب قوله: «الشخص الذي تبزغ عبقريته في أعماله وأفعاله هو بالضرورة شخص مبذِّر؛ لأنه يبدد نفسه التي هي عظمته! وبهذا، تصبح غريزة الحفاظ على الذَّات معلَّقة، وتظل دومًا على هذا الوضع: فالضغوط الهائلة لقواه العقلية والفكرية المتدفِّقة تمنعه من اتِّخاذ أي إجراءات للحذر أو العناية بالنفس».

فأهم شيء لدى العبقري هو توصيل الرسالة المنوط بها عند اختصاصه بهذا البلاء الذي يطلق عليه لقب العبقرية، فيكون في الإفصاح عن رسالته ارتياح، حتى ولو أصبح الأمر مصدرًا لأذى هائل.

وتعجّ صفحات التاريخ بالعديد من الشخصيات الذين كانت عظمتهم مصدر شقائهم الأبدي؛ وشهدت البشرية العديد من الشخصيات العبقرية في جميع المجالات؛ وإن كان أشدّهم معاناة هؤلاء الذين تخصصوا في مجالات الفنون.

فبالتأكيد، هناك بعض الناجين، وإن كانوا فئة قليلة.

بيد أنّ الإفلات من المعاناة التي تدمِّرهم في نهاية الأمر هو أمر ظاهري فقط؛ فجميعهم زُجّ بهم للسير على أحبال دقيقة تحيطها نيران الغلّ والحسد، وأسفلها هوّة الفناء العميقة.

الناجون هم من استطاعوا المزج بين العبقرية والذَّكاء الاجتماعي المغلّفين بالكثير من التغافل والتغاضي، حتى ولو كان هذا على حساب الراحة النفسية.

ومن أهم الشخصيات الفنية التي تطابقت ظروفها واختلفت نهاية مسيرتها في الحياة اثنان من الأعلام النابغة في مجال الموسيقى، المشهود بتميّزهم على مرّ العصور، سواء في الشرق أو الغرب، وهما: «موتسارت» و»زرياب».

من في العالم لا يعرف حكاية الموسيقار النمساوي الأعجوبي «فولفجانج أماديوس موتسارت» Wolfgang Amadeus Mozart (1756-1791) الذي لا تزال موسيقاه وألحانه تعيش حاضرة نابضة في أذهان جميع سكَّان العالم؛ فمن لا يعرف رائعته الشهيرة «حلَّاق إشبيلية» التي تختلط فيها جميع طبقات الأصوات وسرعة الألحان مع تباطئها وتباين النغمات في شكل مذهل، لدرجة أن مغني الأوبرا الذي يتمكَّن من غنائها ينال شهرة عالمية واسعة.

وما رسَّخ الإعجاب بـ «موتسارت» في قلوب جميع سكَّان العالم هو ما تعرَّض له من اضطهاد أرغمه على العيش فقيرًا معدمًا، إلى أن اختطفه الموت في ريعان شبابه؛ والسبب كان موسيقار القصر الملكي الذي شوَّه صورته وطارده وحال بينه وبين التقرُّب من الملك الذي افتتن بألحانه العظيمة التي بدأ في تأليفها وهو في الخامسة من عمره فقط.

لكن للأسف، «موتسارت الشرق» الذي سبقه بقرون طويلة من الزمان، لا يجد مثل هذا التقدير في الثقافة الغربية الاستعمارية التي فرضت أفكارها على الشرق في محاولة منهم لمحو كل أثر للتقدّثم والازدهار في الشرق الذي أثرى ونهض بحضارة الغرب التي كانت غارقة في عصور الظلام.

«موتسارت الشرق» الذي حتى قد لا تعرفه الغالبية العظمى من أبناء الشرق وأصبح حبيس أغلفة المراجع القديمة هو الموسيقار العظيم «زرياب» أسطورة الموسيقى العربية ومؤسس ومطوِّر الموسيقى والغناء والآلات الموسيقية في الشرق والغرب، بالإضافة إلى ذكائه المفرط الذي مكَّنه ليس فقط من التطوير، بل أيضًا الاختراع.

ولو كانت قصَّة حياة «موتسارت» مؤلمة لما تعرَّض له من ظلم واضح، فإن القهر والظلم اللذين تعرَّض لهما «زرياب» كانا مُشابهين، بل وأشد وطأة.

بيد أن الذكاء الحقيقي يكمن في المرونة ومحاولة تحويل الانكسارات إلى انتصارات، وكذلك في المهارة في التنقيب عن الفرص التي تمكِّن الفرد من الإفلات من قاهره من أجل الهروب إلى عالم جديد يستطيع فيه فرض موهبته؛ لأنه يعلم تمامًا أنه لا يضاهيها أي موهبة أو ذكاء.

و»زرياب» هو «أبو الحسن عليّ بن نافع الموصلي» (789-857 م)، كان مطربًا وموسيقارًا وعازف عود أكثر منه ماهرًا وشاعرًا ومعلِّمًا.

ولد في بغداد، وبسبب لون بشرته السمراء الدَّاكنة لم يستطع أحد تحديد أصوله، لكن أُشيع أنه كان فارسيًا أو كُرديًا أو إفريقيًا، وإن تمّ الاتِّفاق على أن كل من كان يحترف الغناء والموسيقى في هذا الوقت إمَّا كانوا عبيدًا أو عبيدًا تم تحريرهم.

وبسبب لون بشرته أيضًا وبسبب صوته شديد العذوبة، أُطلِق عليه لقب «زرياب»، وتعني «الطائر الأسود».

ومن المُدهش أنَّ «زرياب» تعرَّض لنفس حادثة الاضطهاد والظلم الذي وقع «موتسارت «تحت طائلته، وإن من أوقع عليه هذا العدوان المقيت ليس موسيقارًا مُنافسًا له في بلاط الملك، كما الحال عند «موتسارت»، بل معلِّمه الذي كان يوليه بالرعاية، ألا وهو المطرب والموسيقي الذائع الصيت «إسحاق الموصلي» الذي تؤكِّد المراجع عظمته وعظمة والده، مما جعلهما يعتليان قمَّة الشهرة والتجديد في الموسيقى العربية.

لكن ألمعية «زرياب» جعلته يقف على نفس قدم المساواة مع معلِّمه الذي اضطهده ووالد معلِّمه، ويذكر التاريخ أن الثلاثة هم «مؤسسو الموسيقى العربية» التي نعرفها حاليًا.

وبداية صعود «زرياب» إلى عالم الشهرة هي الحادث المأساوي الذي أثقل كاهله، وكان بمثابة ضربة قاصمة دفعته إلى أجواء من الرعب والاضطهاد.

فلقد كانت بداية صعود نجم «زرياب» في عصر الخليفة العبَّاسي عاشق التطوُّر والازدهار «هارون الرشيد» (766-809 م) الذي طلب من مطرب وموسيقار قصره «إسحاق الموصلي» أن يقدِّم له مواهب جديدة ليطرب لها، فقدَّم له «زرياب» الذي عرَّفه بأنه أحد نوابغ تلاميذه.

ومنذ اللحظة الأولى التي التقى فيها «زرياب» بالخليفة، فرض تفرُّده وموهبته.

فعندما أمره الخليفة بالغناء، طلب «زرياب» من الخليفة أن يأمر بجلب العود الخاص به الذي تركه على بوَّابة القصر.

ولمَّا تعجَّب الخليفة من طلبه ومن عدم استخدامه لعود مُعلِّمه، أجابه «زرياب» بدهاء أنه لو كان يرغب في سماع طرب وعزف يماثل معلِّمه سيستخدم العود الخاص بمعلِّمه بأريحية.

ولإغراء الخليفة، أضاف أنه لو كان الخليفة راغبًا في سماع موهبته الخاصة، فليأمر بجلب العود الذي تركه.

وبالفعل، انصاع الخليفة لرغبة «زرياب»، وعند رؤيته للعود، سأله عن سبب تمسُّكه بآلته، فأجابه «زرياب»، بنفس راغبة أن يكون لها موطئ قدم ثابت دائم في قصر الخليفة، أن العود الخاص به هو اختراع خاص به؛ فأوتاره مصنوعة من حرير لم يتم غزله بالغلي في الماء، لأن ذلك يضعِف من قوَّتها وحدة الصوت الناجم منها عند العزف.

أضف إلى هذا، بأن جسم العود الخاص به أخف وزنًا من أي عود مُتعارف عليه بنحو الثُّلث.

وأمَّا بصمته شديدة الخصوصية فهي إضافته وترًا خامسًا للعود، وهذا اختراع لم يسبقه فيه أحد على الإطلاق، وأنَّ هذا الوتر يجعل اللحن مجسَّمًا وله روح، علمًا بأن هذا الوتر مصنوع من أمعاء الأسد.

وبهذا التمهيد، بدأ «زرياب» في العزف والطرب، فافتتن به الخليفة وأخبر مُعلِّمه «إسحاق الموصلي» بأن يجعل «زرياب» حاضرًا دومًا في مجلسه.

ما حدث أغضب المُعلِّم أيَّما غضب، وخاصة أن تلميذه أخفى عنه هذا الاختراع المهم.

وفيما يبدو أن السبب في ذلك هو علم «زرياب» أن مُعلِّمه يستفيد من أفكار تلاميذه وينسبها لنفسه.

فما كان من «إسحاق الموصلي» إلَّا أن هدد «زرياب» بقوله إنه لولا ما يضمره في نفسه من بعض الإعجاب تجاهه، لكان قد تخلَّص منه على الفور.

ثمَّ، خيَّره فيما بين قبوله مبلغًا من المال والرحيل عن البلاد، أو البقاء ليشهد شقاءه وإفناء عمره.

وإمعانًا في التهديد، أضاف أنه لو حدث أن رآه أو سمع عنه مُجدَّدًا فسيرسل من يخلِّصه منه على الفور.

فجمع «زرياب» أهله وأفراد أسرته وغادروا بغداد وأرض الفرات بأكملها، متكبِّدًا رحلة شاقة إزاء الغرب.

وإمعانًا في تشويه سمعة «زرياب» وحتَّى يكف الخليفة عن السؤال عنه نهائيًا، أخبره «الموصلي» أنّه غادر القصر فجأة، بل ورحل خارج البلاد؛ والسبب أن الخليفة لم يمنحه عطايا، وأن هذا التلميذ بالرغم من تفوُّقه، فهو مُصاب بمرض نفسي عُضَال يخضعه لنوبات عصبية مخيفة لمن يشهدها.

وفضلاً عن ذلك، أنه ممسوس من الجان، وكثيرًا ما يحدِّث نفسه، بل ويدَّعي أن الجان الطيِّب المسلم يلقِّن له الألحان في منامه، ولتنفيذ اللحن يقلق منام تلاميذه في منتصف الليل ويبدأ الدرس معهم.

الرِّحلة الشَّاقة التي خاضها «زرياب» قادته صوب القيروان (تونس في الوقت الحالي) مستقر دولة الأغالبة.

وما إن وطئت قدمه البلاط السُّلطاني، حتى طرب الجميع لألحانه.

ولشدة إعجاب السلطان به، أمر بتعيينه في القصر، لكن طموح «زرياب» كان يفوق ذلك؛ فقد كانت قبلته بلاد الأندلس لتكون المكان الذي يحتمي فيه من بطش العباسيين، وعلى رأسهم مُعلِّمه، وكذلك لأن الأندلس الأموية كانت بمثابة خصم ومنافس للدولة للعبَّاسية، ولهذا سترحِّب باستقطابه لمعرفة الجديد في دولة بني العبَّاس.

ومن الجدير بالذكر أن الخصومة بين دولة بني العبَّاس في بغداد ودولة بني أميَّة في الأندلس كانت تتخذ منحى طريفًا.

فرغبة بني أميَّة في مُضاهاة ومنافسة التقدُّم الحضاري الذي تتمتَّع بها بغداد جعلتهم يرسلون في الخفاء رُسُلًا لشراء الكتب والمؤلَّفات المتاحة في بغداد؛ لأن بيع الكتب للأمويين كان يجرّمه المرسوم الصادر من الخليفة.

وكذلك كانت هناك مجموعات أخرى مهمتها نقل أخبار الحركة الحضارية والنهضة التي أجراها بنو العبَّاس في بغداد.

وعلى هذا الأساس، قبل خليفة الأندلس «الحكم» استقدام «زرياب» عندما كتب له الأخير يستأذنه في استقباله على أرضه.

وعلاوة على ذلك، أمر «الحكم» بتخصيص راتب ضخم لـ «زرياب».

لكن، قبل بلوغ الأخير أسوار الأندلس، علم أن «الحكم» قد فاضت روحه إلى بارئها، فتوجَّس من ردة فعل ابنه تجاهه.

لكنه لم يجد من الخليفة الجديد «عبد الرحمن» إلَّا الترحاب والمودة.

وكانت المفاجأة أن الخليفة الجديد «عبد الرحمن» كان يضاهي «زرياب» عمرًا؛ فكلاهما في الثالث والثلاثين من العمر.

كانت عطايا «عبد الرحمن» للمطرب «زرياب» فور وصوله مذهلة؛ فقد منحه قصرًا والعديد من الفيلات وراتبًا ضخمًا من الذهب، يزيد عليه مكافآت تفوق أضعافه.

وأمَّا عن «زرياب»، فلم يخيِّب آمال الخليفة، بل أبهره وأبهر الشعب الأندلسي بأكمله، وانتقل هذا الإبهار إلى كامل أوروبا من خلال الأندلس؛ فقد طوَّر الموسيقى وابتدع ألواناً جديدة منها، أهمها فن «التروبادور» الذي جاء في الموسيقى المعزوفة والموسيقى الداخلية المستخدمة في نظم الأشعار؛ فقد كان أيضًا شاعرًا متمكِّنًا.

وتميَّز «زرياب»، كحال كل العباقرة، بالتواضع الشديد والأدب الجمّ، حتى أطلق عله اسم «السيِّد المهذَّب».

ولقد نقل عشقه للعلوم والموسيقى، ونشر روح التجديد لكل موهبة موسيقية ناشئة من خلال فتح مدرسة لتعليم الموسيقى ومهارات التلحين.

وعلى عكس أي موسيقى مقرَّب للخليفة من قبله أو أي موسيقي بارز، فتح «زرياب» أبواب مدرسته لجميع الطبقات، ولم يقتصر قبول التلاميذ على فئة أولاد الطبقات العليا فقط، لكن الشرط الوحيد للقبول كان الموهبة، وبعدها يمكن اكتساب المهارة بكل سهولة.

لقد استطاع «زرياب» أن ينحني عندما اشتدّت عليه رياح الحاسدين، وعلى رأسهم أستاذه.

وفي وقت الأزمة، استطاع أن يفكِّر بطريقة صحيحة وينأى بنفسه قدر الإمكان بعيدًا عن مواضع الأذى؛ فليس من الشجاعة وقت إحاطة الأزمات والمخاطر المُحارب بأن يجابهها جميعًا في وقت واحد دون وجود خطة مدروسة، وهو في قرارة نفسه يعلم أن الهزيمة المريرة قدره المحتوم.

توارى «زرياب» وأعد خطة محكمة للنهوض بذاته، وحفر اسمه على جدران صفحات التَّاريخ.

دون أدنى شك، بعد أن ذاع صيت «زرياب»، سمع عنه أستاذه وحاسده «إسحاق الموصلي» وعلم مدى ما بلغه من عظمة ومكانة رفيعة في بلاط خليفة الأندلس.

وما قد يذرّ الملح على جروح أستاذه الحسود في قبره هو تقييم التاريخ لـ «زرياب» ووضعه في مصاف أعلام الموسيقى العربية إلى يومنا هذا.

تهذيب العبقرية حرفة، ومن لا يجيدها فمصيره دمار محتوم.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك