لا أحد يملك الجزم بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران انتهت إلى غير رجعة، رغم التأكيدات الواردة في صدر مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية أو الاتفاق الإطارى، ورغم استمرار المفاوضات الجارية في سويسرا وغيرها للتوصل إلى اتفاق نهائي، ورغم التحسينات الإجرائية لإطار التفاوض الجاري، والاتفاق على تشكيل لجان خبراء لبحث ملفات لبنان والملف النووي والعقوبات وأموال إيران المجمدة وغيرها، ورغم إنشاء خط اتصال مباشر للبحث أولا بأول في مشكلات طارئة حول مضيق هرمز وجواره، ويكاد لا يمر يوم وربما ساعة، من دون أن يعود الرئيس الأمريكي البهلواني دونالد ترامب للتهديد بالعودة للحرب، وإلقاء القنابل على رأس إيران، وهو ما يرد عليه المسؤولون الإيرانيون بلغة رصينة مدروسة، مفادها إن عدتم عدنا، فالأيادي على الزناد في كل وقت، والخسارة التي تكبدها ترامب في معارك الأربعين يوما الأولى، تقبل التكرار ربما بما هو أفدح.
أكثر من ذلك، هناك خرق إسرائيلي متفاقم متصل لشروط وقف النار ووقف الحرب على جبهة لبنان بالذات، وشروط طهران قاطعة، فالبند الأول من مذكرة التفاهم التي جرى توقيعها إلكترونيا على المستوى الرئاسي، ونصوصها قطعية في وقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وأن واشنطن ملزمة بردع حلفائها، وأولهم كيان الاحتلال الإسرائيلي، وحفظ سلامة ووحدة وسيادة لبنان على أراضيه كلها، بما يعنى ببساطة، أن المطلوب ليس فقط أن تتوقف إسرائيل عن إطلاق النار في لبنان، بل أن تنسحب تماما من الجنوب اللبناني، حفظا لسلامة وسيادة البلد، ما يخلق صداعا مزمنا لإدارة ترامب، التي تشتبك مع إسرائيل في ملاسنات حادة، وتعجز عن ردع التوحش الإسرائيلي وحروبه الإبادية في لبنان وفي غزة، بل ترتد الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو إلى مصاعب مضافة لإدارة ترامب في واشنطن، ومعروفة هي قوة اللوبي الصهيوني في واشنطن، خصوصا مع تصاعد الانتقادات العنيفة لحرب ترامب على إيران، وما انتهت إليه حتى اليوم من استسلام أمريكي شبه شامل لمطالب إيران، وانضمام مجلس الشيوخ إلى مجلس النواب في إلزام ترامب بعدم شن حرب جديدة على إيران، إلا بتصريح من الكونغرس بمجلسيه، وتمرد قطاعات في الحزب الجمهوري على ترامب، وانضمامها لمعارضة الحزب الديمقراطي للحرب، ووصول نسبة المعارضين للحرب على إيران إلى أكثر من 70% في استطلاعات الرأي العام الأخيرة، وهو ما يحاول ترامب التصدي له، والمزج بين تهديداته الفارغة لإيران، وسوق أكاذيب عن تراجعات جوهرية مزعومة لإيران في التفتيش النووي وغيره، وهو ما تنفيه إيران قطعيا.
إيران حققت صمودا في ميدان الحرب، وأضافت إلى وسائلها القتالية والصاروخية باعتراف تقارير المخابرات الأمريكية ذاتها، ثم أضافت إلى حسابها تفوقا ظاهرا في جولات التفاوض وثمارهاورغم غرق ترامب في أوهامه وهلاوسه الشخصية، وتواصل عيشه في فقاعته الذاتية، إلا أن الوقائع الملموسة أقوى من تخيلات الرئيس المهووس، فلا يجادل عاقل في حقيقة ما جرى إلى اليوم، وهو يعكس فوزا ظاهرا لإيران، سواء في صمودها الحربى المذهل، أو في جرأة ومخاطرة قيادتها الجديدة بعد اغتيال المرشد السابق آية الله علي خامنئي صباح أول أيام الحرب، التي أغرى نتنياهو الرئيس الأمريكي بخوضها معه، وعلى أمل بفوز سريع في غضون أيام، وهو ما تحقق عكسه بالضبط، وتوطد استقرار وتماسك النظام الإيراني، ومقدرته على إلحاق ضربات مدمرة بعشرات القواعد الأمريكية في المنطقة، وبقاعدة واشنطن الأكبر ممثلة في كيان الاحتلال الإسرائيلي، وكان الذي سارع لوقف إطلاق النار الأول في 8 أبريل الماضي هو الرئيس الأمريكي، وبدأت بعدها رحلة التفاوض غالبا في إسلام أباد الباكستانية بدعم صيني، وكان الطرف الإيراني صاحب المبادرة التفاوضية، من ورقة النقاط العشر إلى مذكرة الأربعة عشر بندا، وأزاحت إيران عن الطاولة تماما نقاطا رئيسية، من نوع بحث برنامجها الصاروخي الباليستي، أو تناول علاقاتها مع الحلفاء من جماعات المقاومة العربية، بل فرضت اعترافا واقعيا بمشروعية علاقاتها مع حزب الله اللبناني بالذات في البند الأول من مذكرة التفاهم، وكان الغالب على المذكرة، وقد نشرت نقاطها مرارا في وسائل إعلام إيرانية وأمريكية.
إن حجم تعهدات وتنازلات واشنطن يفوق بكثير حجم التعهدات الإيرانية المحدودة، وكانت صياغة فقرات التعهدات الأمريكية قاطعة مفصلة، بينما الإشارات إلى التعهدات الإيرانية عامة وحمالة وجوه.
ولم يكن التفوق الإيراني في التفاوض آتيا من فراغ، فالفروق هائلة لصالح الإيرانيين في نوعية المفاوضين، خذ عندك ـ مثلا ـ مقارنة عباس عراقجي مع المفاوضين الأمريكيين من نوع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير صهر ترامب، ويتكوف وكوشنير مقاولان وباعة عقارات، بينما عراقجي أستاذ جامعي وصاحب كتاب «قوة التفاوض، وكان عنصرا رئيسيا في فريق جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الأسبق المقرب من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اليوم، وكان ظريف نجم مفاوضات ماراثونية مطولة مع الأمريكيين والأوروبيين وروسيا والصين، واستطاع مع فريقه في النهاية الوصول إلى ما عرف بخطة العمل المشتركة، أو اتفاق أوباما عام 2015، الذي خرج منه ترامب عام 2018 في زمن رئاسته الأولى، وردت القيادة الإيرانية بالتحلل من التزامات نسبة التخصيب النووي المتفق عليها وقتها (3.
67% )، وزادت نسبة التخصيب إلى ما فوق 60%، وهكذا خلق ترامب بحماقاته مشكلة لنفسه ولأمريكا وإسرائيل، وصارت كمية يورانيوم التخصيب العالي المقدرة بنحو 450 كيلوغراما، هي العنوان الأشهر لمأزق أمريكا النووي في إيران.
ومعنى ما جرى إلى اليوم ببساطة، أن إيران حققت صمودا باهرا في ميدان الحرب، واحتفظت وأضافت إلى وسائلها القتالية والصاروخية باعتراف تقارير المخابرات الأمريكية ذاتها، ثم أضافت إلى حسابها تفوقا ظاهرا في جولات التفاوض وثمارها، وكسبت هدوءا نسبيا منحها فرصا لاستعداد عسكري أكبر، وتستمر في التفاوض بما يحفظ مصالحها، ولا تبدو مستعدة لتقديم أي تنازل في الملف النووي، ولا في ملف مضيق هرمز، الذي حولته طهران إلى قنبلة نووية سياسية واقتصادية عالمية، وأعلنت أنها لن تطلب رسوم عبور من السفن المارة بالمضيق خلال فترة الستين يوما من المفاوضات، لكنها تنسق مع سلطنة عمان جنوب المضيق لصياغة وضع جديد بعدها، يتلقى فيه البلدان رسوم خدمات وتأمين وحفظ بيئة لا رسوم عبور، بعد أن ظهر مضيق هرمز ـ في مذكرة التفاهم ـ كشأن إيراني خاص، وقايضت إيران فتحها التدريجي للمضيق خلال ثلاثين يوما، مع الإنهاء الفوري للحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، ومع انسحاب لاحق للقوات الأمريكية البحرية والجوية من محيط إيران في ختام فترة التفاوض القابلة للتمديد، وسند إيران في التشدد التفاوضي، أنها تحتفظ بكامل السيطرة الذكية على مجرى مضيق هرمز، بينما خسرت أمريكا كل محاولاتها العسكرية للسيطرة على المضيق، أو الحد من السيطرة الإيرانية هناك، ثم استخدمت إيران سيطرتها على المضيق، مع ضرباتها للقواعد الأمريكية في الخليج، ونجحت في كسب تعهد أمريكي بالإفراج عن الأموال المجمدة تباعا، وبحث الرفع الكامل للعقوبات الأمريكية والدولية، وتعهد واشنطن بجمع استثمارات لصندوق إعادة إعمار لإيران، تبلغ قيمته 300 مليار دولار، قالت القيادات الأمريكية مثل جى.
دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، أن دول الخليج العربية ستدفع المبلغ الفلكي، ومن دون أن تدفع واشنطن سنتا واحدا.
وإضافة لكل ما حصلت عليه إيران من تعهدات المزايا المالية، وبما فيها الإلغاء المبكر للعقوبات الأمريكية على تصدير البترول الإيراني ومشتقاته والمنتجات البتروكيماوية، فقد حصلت إيران ـ أيضا ـ على ميزة استراتيجية كبرى، فقد كان العنوان الأول للحرب الإسرائيلية بالجيوش الأمريكية، أن تؤدي إلى شرق أوسط خالص تابع للقيادة الإسرائيلية، وتتفكك معه إيران نفسها، وهو ما يتحقق عكسه بعد أربعة شهور حربا وتفاوضا، فقد تقدمت إيران إلى مركز اللاعب الرئيسي ـ ربما الأول ـ في الشرق الأوسط الجديد، وأضافت إلى نفوذها الإقليمي السابق تأكيدا بحركة النار وحرائقها، وكدنا نكون أمام خليج جديد، وربما شرق أوسط جديد، خليج جديد بغلبة القوة الإيرانية، وشرق أوسط جديد بقيادة إيرانية غالبة، وبخرائط حلفاء متعددين شرق البحر المتوسط وشرق البحر الأحمر، وتلك خرائط ترسم حدودها بالنار والدم، وباستعداد لمواصلة الحرب إلى أمد بعيد، وبتفاقم الخلافات التكتيكية بين الحليفين المندمجين استراتيجيا واشنطن وتل أبيب، وبضياع الأطراف العربية المعنية في زحام التفاصيل، مع تبين خواء الاعتماد على قواعد الحماية الأمريكية، التي لم تحم نفسها ولا حمت أحدا ممن دفعوا تريليونات الدولارات إلى ترامب، وهم مطالبون اليوم بدفع مئات المليارات إلى طهران بأمر أمريكي، بعد تدمير سمعة اقتصاداتهم الريعية وأمنها بحرب الآخرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك