لم تعد التهديدات التي تواجه الدول تقتصر على العمليات العسكرية أو الأمنية التقليدية، بل امتدت إلى فضاء رقمي مفتوح بات يمثل ساحة رئيسية للصراع، حيث أصبحت الشائعات والهجمات الإلكترونية والمحتوى الهدام أدوات تستخدمها التنظيمات المتطرفة والجماعات المعادية لزعزعة الاستقرار وبث الفوضى داخل المجتمعات.
وخلال السنوات الماضية، خاضت الدولة المصرية معركة متواصلة لتعزيز أمنها السيبراني، مستندة إلى تطوير البنية التكنولوجية، وتأهيل الكوادر الأمنية، وتحديث التشريعات، بالتوازي مع رفع وعي المواطنين بخطورة الجرائم الإلكترونية وأساليب الوقاية منها.
الأمن السيبراني.
جبهة جديدة لحماية الدولةوفي هذا الصدد، أكد اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات ومباحث الإنترنت، أن ثورة 30 يونيو مثلت نقطة تحول كبيرة في طبيعة التحديات الأمنية، إذ ظهرت تهديدات غير تقليدية استهدفت البنية المعلوماتية للدولة، إلى جانب حملات مكثفة من الشائعات والأخبار المضللة التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع تدفق هائل من المعلومات والصور والفيديوهات التي كانت تُنشر على مدار الساعة، وهو ما استلزم تطوير آليات الرصد والتحليل والتحقق من المعلومات لحماية الأمن الوطني ومنع استغلال الفضاء الإلكتروني في نشر الفوضى.
الهجمات الإلكترونية.
محاولات لاختراق الدولةأشار الرشيدي إلى أن المرحلة الانتقالية بعد عام 2013 شهدت محاولات متكررة لاستهداف أمن المعلومات واختراق البيانات، في إطار ما وصفه بالإرهاب الإلكتروني، الذي اعتمد على التكنولوجيا الحديثة لتنفيذ عمليات تستهدف المؤسسات والأفراد.
وأضاف أن الدولة أدركت مبكرًا خطورة الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا دون توفير منظومة حماية قوية، لذلك عملت على تأمين قواعد البيانات الحكومية، وتعزيز حماية البنية التحتية الرقمية، بما يضمن استمرارية الخدمات الإلكترونية وسلامة المعلومات.
تطوير منظومة الأمن المعلوماتيولمواجهة التهديدات المستحدثة، اتخذت الدولة سلسلة من الإجراءات لتحديث قدرات أجهزة أمن المعلومات، شملت:تعزيز البنية التحتية للأمن السيبراني.
تطوير أنظمة حماية الشبكات والبيانات.
تدريب كوادر متخصصة في مكافحة الجرائم الإلكترونية.
توسيع التعاون مع الجهات والمنظمات الدولية لتبادل الخبرات.
تحديث التشريعات الخاصة بحماية البيانات ومكافحة جرائم تقنية المعلومات.
كما تم دعم الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات وإدارة مباحث الإنترنت بأحدث الأجهزة والوسائل التقنية التي تساعد في تتبع الجرائم الرقمية والتعامل معها باحترافية.
الداخلية في مواجهة المحتوى الضارأوضح اللواء الرشيدي أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة خصبة لانتشار العديد من الجرائم والظواهر السلبية، مثل:الترويج للأفكار المتطرفة.
المحتوى المخل بالقيم المجتمعية.
وأشار إلى أن خطورة هذه الظواهر تكمن في سرعة انتشارها، خاصة بين الشباب، ما يجعل التصدي لها ضرورة لحماية الأمن المجتمعي.
الذكاء الاصطناعي يعزز قدرات الرصد والتحليلكشف الرشيدي أن وزارة الداخلية تعتمد على تقنيات حديثة في متابعة المحتوى المنشور عبر الإنترنت، من بينها تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، والتي تتيح رصد الكلمات المفتاحية والأنماط المشبوهة، وتتبع الحسابات التي تمارس أنشطة غير قانونية حتى في حال استخدام وسائل إخفاء الهوية مثل شبكات VPN.
كما يتم التنسيق المستمر مع النيابة العامة والجهات القضائية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين وإغلاق الحسابات التي تمثل خطرًا على المجتمع.
نجاحات ملموسة في مكافحة الجرائم الإلكترونيةأكد مساعد وزير الداخلية الأسبق أن الجهود الأمنية انعكست على أرض الواقع في صورة مؤشرات واضحة، أبرزها:سرعة ضبط مرتكبي الجرائم الإلكترونية.
تفكيك شبكات منظمة للنصب والاحتيال الإلكتروني.
انخفاض تكرار بعض أنماط الجرائم نتيجة فعالية الردع.
تطوير منظومة تلقي البلاغات الإلكترونية وسرعة التعامل معها.
جرائم أكثر تطورًا في عصر الذكاء الاصطناعيوأشار الرشيدي إلى أن التطور التكنولوجي أوجد أنماطًا جديدة من الجرائم الإلكترونية، أبرزها:استخدام تقنية التزييف العميق (Deepfake)، لتقليد الأصوات والصور.
الاحتيال عبر المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع.
رسائل التصيد الإلكتروني التي أصبحت أكثر احترافية وصعوبة في الاكتشاف.
وأكد أن الأجهزة الأمنية تواكب هذه التطورات باستمرار من خلال تحديث أدواتها الفنية وتدريب عناصرها على أحدث وسائل التحليل الرقمي.
المواطن.
خط الدفاع الأولشدد اللواء الرشيدي على أن نجاح جهود مكافحة الجرائم الإلكترونية لا يعتمد على الأجهزة الأمنية وحدها، بل يتطلب شراكة حقيقية مع المواطنين، داعيًا إلى سرعة الإبلاغ عن أي محتوى مشبوه أو محاولات نصب أو ابتزاز إلكتروني.
وأوضح أن وعي المستخدم يمثل العامل الأكثر تأثيرًا في الحد من انتشار الجرائم الرقمية، خاصة مع توفير قنوات إلكترونية مباشرة للإبلاغ عن المخالفات.
أخطاء شائعة تسهل وقوع الضحاياوحذر الرشيدي من عدد من الممارسات التي يقع فيها كثير من المستخدمين، وتزيد من احتمالات تعرضهم للاحتيال الإلكتروني، من بينها:الثقة في الرسائل مجهولة المصدر.
مشاركة البيانات الشخصية أو البنكية مع جهات غير موثوقة.
استخدام كلمات مرور ضعيفة أو مكررة.
تحميل تطبيقات من مصادر غير رسمية.
الضغط على روابط مجهولة دون التحقق من مصدرها.
نصائح لتعزيز الحماية الرقميةولتعزيز الأمن الرقمي، قدم اللواء الرشيدي مجموعة من الإرشادات المهمة، أبرزها:عدم مشاركة البيانات المالية أو الشخصية عبر الهاتف أو الإنترنت.
التأكد من موثوقية الروابط والمواقع الإلكترونية.
استخدام كلمات مرور قوية وتفعيل خاصية التحقق الثنائي.
تحديث أنظمة التشغيل والبرامج باستمرار لسد الثغرات الأمنية.
الإبلاغ الفوري عن أي محاولة احتيال أو ابتزاز إلكتروني.
الوعي الرقمي.
السلاح الأقوى للمستقبلواختتم اللواء محمود الرشيدي حديثه بالتأكيد على أن مواجهة الجرائم الإلكترونية لم تعد مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية مشتركة تجمع بين الدولة والمؤسسات والمواطنين، موضحًا أن نجاح مصر في تعزيز منظومة الأمن السيبراني جاء نتيجة التكامل بين التشريعات الحديثة، والتكنولوجيا المتطورة، والكوادر المؤهلة، إلى جانب تنامي الوعي المجتمعي.
وأضاف أن استمرار الاستثمار في الأمن السيبراني، ومواكبة التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمثلان ركيزة أساسية لبناء مستقبل رقمي أكثر أمنًا واستقرارًا، يحمي مؤسسات الدولة والمواطنين من المخاطر الإلكترونية المتزايدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك