تشهد الساحة السياسية والأمنية في القارة الأوروبية موجة عاتية من راديكالية القوى القومية، حيث ترسخت الأحزاب اليمينية المتطرفة بقوة في السلطة أو صعدت في الانتخابات، مستغلة أزمة الهجرة وتراجع التصويت.
ويتنكر هذا اليمين اليوم في ثوب جديد يوزع الابتسامات، بينما حل المسلمون والمهاجرون محل اليهود في التسلسل الهرمي كـ" عدو داخلي"، في ظل موجة تطرف سياسي تنذر بخلخلة أسس الديمقراطيات الأوروبية الهشة وبلوغ" ليلة ظلماء للديمقراطية الليبرالية".
وتوّج فيلم" اليمين المتطرف.
الخطر القادم من أوروبا" -ضمن سلسلة أفلام مرخصة تبثها" الجزيرة 360″- جهدا تحقيقيا واستقصائيا مكثفا عابرا للحدود الجغرافية والسياسية في القارة العجوز، إذ لم يكتفِ العمل برصد المظاهر السطحية، بل غاص في عمق البنية السرية لـ" مجرة التطرف والكراهية".
وتميز الفيلم بانتزاع مواجهات ومقابلات حصرية مع المنظرين الفعليين لخطط" التهجير العكسي" و" الاستبدال العظيم"، فضلا عن تقديم تشريح نفسي وبنيوي لظاهرة الكراهية عبر شهادات حية ومراجعات قاسية لقادة ومسؤولين سابقين في حركات النازية الجديدة وحليقي الرؤوس، والاعتماد على التفكيك الرقمي لمغالطات اليمين بالأرقام والبيانات.
ألمانيا وخطط" التهجير العكسي"وتبدأ ملامح الخطر الملموس من ألمانيا، حيث حددت المخابرات نحو 15 ألف متطرف عنيف، في وقت رسم فيه كاتب الدولة بوزارة الداخلية منذ عام 2015، هانس يورغ إنغليكه، صورة مقلقة لـ" انفلات الضوابط وتجاوز الحدود في الخطاب".
فلم يعد النازيون الجدد يظهرون برؤوس حليقة وأحذية قتالية، بل بملابس وسترات أنيقة أسهمت في نجاح حزب" البديل من أجل ألمانيا"، الذي حقق نجاحات تاريخية وتبوأ المركز الثاني في استطلاعات الرأي منذ عام 2023 وصاغ خطته لـ" الهجرة العكسية".
ويقود الحزب زعيمه الحقيقي بيورن هوكه، معتبرا أنه يخوض" معركة ثقافية" لجعل أوروبا" قلعة حصينة" عبر ترحيل المهاجرين.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، كشف موقع" كوريكتيف" الإخباري عن اجتماع سري في بوتسدام ضم أعضاء من الحزب مع المؤثر الهوياتي مارتن سيلنر، الذي طرح خطة تهدف لطرد وإجبار" المجتمعات المتوازية" لغير الأوروبيين والعرب الأفارقة والمسلمين على مغادرة البلاد، مما أطلق عنان الغضب الشعبي في مظاهرات غير مسبوقة.
ويشير مصطلح" المجتمعات المتوازية" في علم الاجتماع والسياسة إلى حالة من العزلة التامة (الاضطرارية أو الاختيارية) تعيشها جاليات أو مجموعات عرقية ودينية مهاجرة داخل دولة مضيفة، حيث تنفصل هذه المجموعات هيكليا وثقافيا عن المجتمع الأصلي، وتستعيض عنه بإنشاء" بنى مجتمعية خاصة" تشمل الأحياء السكنية المغلقة، والمؤسسات التعليمية، والشبكات الاقتصادية والمنظومات المستقلة.
وفي بلجيكا، يتصدر اليمين القومي المتطرف في الإقليم الفلمنكي عبر حزب" فلامس بيلانج"، حيث يروج النائب فيليب دي وينتر لعقيدة" الاستبدال العظيم" زاعما أن بروكسل أصبحت عاصمة لهذا الاستبدال.
لكن محلل البيانات كريم دويب يدحض هذه السردية رقميا، مؤكدا أن غالبية الأجانب في بروكسل هم أوروبيون (الفرنسيون في المرتبة الأولى)، في حين يأتي المغاربة في المرتبة الرابعة.
ويرتبط هذا الطيف اليميني بشبكات عابرة للحدود مثل مجموعة" الهوية والديمقراطية" في البرلمان الأوروبي بقيادة غيرولف أنيمانسر، بهدف التقليص الممنهج للمهاجرين.
ويحذر المفكر السياسي بنيامين بيارد من أن أيديولوجيا" الاستبدال العظيم" تعد محفزا مباشرا للعنف والإرهاب الذي تجسد في هجمات أندرس بريفيك ومجزرة كرايست تشيرش في نيوزيلندا التي نفذها برينتون تارانت، تماشيا مع تيار" التسريع" الإرهابي الذي يعتقد ببدء الحرب العرقية ويحفز على القتل.
فرنسا.
مجرة التنظيمات العنيفةأما فرنسا فتضم نحو 3 آلاف متطرف عنيف، وتشهد نصف الأعمال الإرهابية اليمينية المتطرفة في أوروبا.
وفي هذا السياق، كشف الصحفي سيباستيان بوردون عبر قناة على تليغرام عن خلايا تضم عناصر من الأمن والجيش يخططون لإحراق مراكز المهاجرين والتخلص من الجثث بسرية.
وتتكامل هذه المنظومة مع عودة الحركة القومية الثورية والفاشية الجديدة، ممثلة في إعادة إحياء تنظيم" مجموعة الدفاع عن الاتحاد" بقيادة مارك دي كاكراي فالمونييه، واتحاد" الكوكارد" الطلابي برئاسة فياني فوندرشر المرتبط بحزب" التجمع الوطني".
وترى الناشطة صافية آيت عرابي أن فرنسا تعيش مرحلة" تطبيع" مع اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان، تسارعت مع ظهور إريك زيمور.
وتصاعد هذا التهديد باستهداف المؤسسات وإحراق منزل عمدة بلدة" سان بريفان"، وتلقي النائب توماس بورت تهديدات بالقتل من" اللجنة 732".
وفي ليون -التي توصف بقبلة اليمين المتطرف- يلوح زعيم حركة" ليون الشعبية" إليوت بيرتين بالعنف، معلنا رفض الهجرة والتمييز بين الأوروبيين وغير الأوروبيين، وسط عجز حكومي وتعبئة مضادة من حركة" الحرس الشاب" المناهضة للفاشية بقيادة رافائيل أرنو.
وفي ضوء هذا المشهد، يمثل اليمين المتطرف اليوم منظومة اشتغال وعائلة واحدة تشترك في الرؤية ذاتها الرافضة للمساواة، في وقت تقف أوروبا فيه على مفترق طرق مصيري، بين تمدد التطرف الحزبي والمليشيات، وبين الحراكات الشعبية الرافضة لهذه الرؤية الظلماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك