جاء ذلك، ردا عل سؤال يقول: ما حكم الجمع بين نية العقيقة ووليمة الزواج في ذبيحةٍ واحدة؟ فإن لي صديقًا قد اقترب موعد زواجه، ويريد أن يُعد طعامًا وليمةً للزفاف، ولم يكن قد عُقَّ عنه من قبل، فهل يصح أن يذبح شاة للعقيقة، ويجعل لحمها في وليمة العرس؟وقالت الإفتاء: " الأصل في الولائم أن تُفرد كلُّ واحدةٍ منها بسببها، ولا تُجمع مع غيرها في نيةٍ واحدة؛ لأن كلَّ وليمةٍ شُرعت لمعنًى خاصٍّ ومقصودٍ مستقل، فلا يتحقَّق كمالُ هذا المقصود إلا بإفرادها".
فالوليمةُ في العرس شُرعت لإشهار النكاح وإعلانه، والعقيقةُ شُرعت شكرًا على نعمة المولود مع ما فيها من معنى النُّسك وإراقة الدم؛ فاختلاف المقاصد يقتضي استقلال كلٍّ منهما بفعلٍ يخصُّه، إذ الجمع يُضعف ظهور المعنى المقصود من كلِّ واحدةٍ على وجهه التام.
وإن تيسَّر ذلك فهو الأولى والأفضل، سواء أكانت الذبيحة في كلٍّ منهما من الضأن أو الماعز، أو بالاشتراك في بدنةٍ أو بقرةٍ، بحيث لا يقل نصيب كلِّ واحدةٍ منهما عن السُّبع.
فإن لم يتيسَّر الإفراد، وأراد المكلف الجمع بينهما في ذبيحةٍ واحدة، كشاةٍ واحدةٍ، أو سُبُعٍ من بدنةٍ أو بقرةٍ؛ فإنه يُجزئ عند بعض أهل العلم؛ لاختلاف المقصود من كلٍّ منهما: فالمقصود من العقيقة إراقةُ الدم شكرًا لله على نعمته، وهو حاصلٌ بالذبح، والمقصود من الوليمة الإطعامُ، وهو حاصلٌ كذلك بطهيها وتقديمها للمدعوين، ولا تعارض بين المقصودين، فجاز الجمع والتداخل بينهما.
وقد أشار إلى هذا المعنى القاضي أبو بكر بن العربي في" المسالك في شرح موطأ مالك"، نقلًا عن الإمام أبي بكر الفهري بقوله: " وتكلمنا يوما بالمسجد الأقصى -طهَّره الله- مع شيخنا أبي بكر الفهري رضي الله عنه، فقال: إذا ذبح الرجل أضحيته يوم الأضحى فعق بها عن ولده لم تجزئه؛ لأن المقصود في العقيقة إراقة الدم، كما هو في الأضحية، والمقصود في الأضحية التصدق وإقامة شعار الإسلام، فأما لو ذبح أضحييه يوم النحر وأقام بها سُنة الوليمة في عرسه لأجزأه؛ لأن المقصود في الأضحية إراقة الدم، وقد وقع موقعه، والمقصود في الوليمة إقامة السُّنة بالأكل، وقد وُجد ذلك".
ويستأنس لذلك أيضًا بما قرره بعض الفقهاء من جواز تداخل بعض العبادات في بعض إذا لم يقع تعارضٌ بينهما في المقصد، ومن نظائر ذلك: ما نصوا عليه من صحة الغسل يوم العيد بنية الجمعة والعيد، وصحة صلاة تحية المسجد مع سنة المكتوبة، وصحة صيام يوم عرفة إن وافق يوم الإثنين أو الخميس بنية الأمرين، ونحو ذلك.
واختتمت الإفتاء: " بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال، فإن العقيقة ووليمة العرس سُنَّتان مؤكدتان، تُطلبان بحسب يسار المكلَّف وقدرته عليهما، شكرًا لله تعالى على تجدُّدِ نعمهِ وتتابُع مِنَنهِ، والأصلُ استحبابُ إفراد كلٍّ منهما مستقلة عن الأخرى؛ طلبًا لكمال الامتثال، واستيفاءً لحِكَمِ كلٍّ منهما ومعانيه على وجهه التام".
ولأن ما كان أكثر فعلًا كان أعظم أجرًا، سواء أكان ذلك بذبح شاتين لكلٍّ منهما، أم بما يقوم مقامها بالاشتراك في بدنةٍ أو بقرةٍ بسُبُعٍ فأكثر لكل واحدةٍ منهما، أو بأن يُفرد للعقيقة شاة أو ما يقوم مقامها، ويُعدَّ لوليمة العرس ما تيسَّر من الطعام، ومع ذلك فإنه إذا أراد المكلَّف الجمع بين ذبيحة العقيقة ووليمة العرس في وقت واحد بشاةٍ واحدة يذبحها بنية العقيقة عن نفسه، ويجعل لحمها طعامًا لوليمة زواجه، أجزأت العقيقة بهذه الشاة، وتحقَّقت وليمة العرس بما يحصل من الإطعام منها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك