قبل دقائق من الساعة الحادية عشرة ليلاً، كانت شاشات المقاهي في مدينة الدار البيضاء تضيء الوجوه المتحلقة حولها، فيما تتعالى أصوات النقاشات الكروية بين زبائن استبدلوا النوم بموعد جديد مع نهائيات كأس العالم 2026.
في الخارج، ترفرف أعلام البلاد، بينما يرتدي أطفال وشباب قمصان المنتخب الوطني وكأنهم يستعدون لدخول أرضية الملعب لا لمتابعة مباراة من خلف شاشة.
ومع برمجة عدد من مباريات المونديال في ساعات متأخرة من الليل بسبب فارق التوقيت مع البلدان المستضيفة، وجد المغاربة أنفسهم أمام إيقاع يومي جديد فرضته الساحرة المستديرة.
فمواعيد النوم والاستيقاظ تغيرت، ووجبة العشاء باتت تؤجل أحياناً إلى ما قبل صفارة البداية، فيما تحولت المقاهي والبيوت إلى فضاءات للفرجة الجماعية.
وزاد قرار تمديد ساعات عمل المقاهي من ترسيخ هذا الإيقاع الجديد، حيث أصبحت المقاهي تستقبل أعداداً مهمةً من المشجعين الذين يفضلون متابعة المباريات وسط أجواء تملؤها الحماسة والتشجيع.
يقول سعيد الكراين (38 سنة)، تقني في إحدى الشركات الخاصة، إنه يتابع مباريات المونديال في أحد المقاهي القريبة من محل سكنه وسط الدار البيضاء، ويضيف لـ" العربي الجديد": " برمجة المباريات ليلاً أمر جيد وصعب في الوقت نفسه.
جيد لأنه يمنحنا فرصة متابعتها بعد انتهاء العمل، وصعب لأننا نذهب إلى وظائفنا في اليوم الموالي بعد ساعات قليلة من النوم.
لكن عندما يتعلق الأمر بأسود الأطلس (لاعبو المنتخب الوطني) يصبح السهر جزءاً من يومياتنا".
ويضيف مبتسماً: " قد نعود إلى بيوتنا في الثالثة أو الرابعة صباحاً، لكننا نستيقظ ونحن نناقش كل تمريرة وكل فرصة ضائعة وكأن المباراة انتهت للتو".
أما عبد الصمد الرامي (41 سنة)، وهو موظف في قطاع التأمين، فيؤكد أن الحدث الرياضي فرض روتيناً جديداً على أيامه.
ويقول: " أصبحت أؤخر موعد النوم خلال المباريات المهمة، وفي الصباح نتبادل التعليقات والتحليلات في العمل قبل أن نبدأ مهامنا اليومية.
المونديال حاضر في تفاصيل اليوم كله، وليس فقط أثناء المباراة".
أما هند الزهراوي (45 سنة)، ربة منزل، فتقول: " المونديال غّير عادات البيت.
أبنائي يرفضون النوم قبل نهاية المباراة، ولحسن الحظ أن المباريات تزامنت مع انتهاء الموسم الدراسي.
حتى مواعيد العشاء تغيرت، وأصبحت أرتب الأعمال المنزلية بطريقة تسمح لنا بمتابعة المباريات معاً".
وتتابع: " في هذه المباريات لا نشعر فقط أننا نشجع فريقاً لكرة القدم، بل نشعر أننا ندافع عن صورة بلدنا أمام العالم".
إيمان بلحديد (29 سنة)، موظفة في قطاع الخدمات، تعترف بأنها لم تكن من المهتمات بكرة القدم قبل مونديال قطر 2022.
تقول: " ما حققه المنتخب المغربي آنذاك جعلني أنظر إلى كرة القدم بطريقة مختلفة.
اليوم أرتب وقتي وفق برنامج المباريات، وأحرص على ألا أفوت لقاءات المنتخب.
عندما أسمع النشيد الوطني قبل المباراة أشعر بفخر الانتماء، أضع يدي على قلبي وأتمنى الفوز للأسود".
وتضيف: " هذه الكرة الصغيرة المصنوعة من الجلد قادرة على جمع ملايين الناس حول حلم واحد، وهذا ما يجعلها مختلفة عن أي شيء آخر".
ولا يقتصر الشغف بالمونديال على متابعة المباريات فقط، بل يمتد إلى مظاهر يومية عديدة، من بينها الإقبال الكبير على اقتناء قمصان المنتخب الوطني والأعلام الوطنية.
في أحد متاجر الملابس الرياضية، اختارت منى السالمي (24 سنة)، محاسبة، قميص الحارس ياسين بونو.
تقول: " بونو يحرس مرمى الفريق بقتالية عالية، لهذا اخترت قميصه.
أشعر بالأمان كلما رأيته يتصدى للكرات الصعبة".
وتضيف: " لعلي أستعير هنا وصف الفيلسوف البريطاني سيمون كريتشلي لكرة القدم حين قال إن مشاهدة المباراة تشبه الدلوف إلى عالم نابض بالحياة، حيث تبدو كل التفاصيل حية.
وهذا ما أشعر به عندما أتابع مباريات المنتخب".
ويؤكد عبد الإله السقاط (42 سنة)، صاحب متجر للملابس الرياضية، أن الطلب على القمصان الوطنية ارتفع بشكل لافت قبل انطلاق المونديال.
ويوضح: " لا يمر يوم دون أن يطلب الزبائن قمصان بونو أو حكيمي أو دياز.
كما ارتفع الإقبال على الأعلام الوطنية والأوشحة وكل ما له علاقة بالمنتخب".
أما المقاهي، فوجدت نفسها أمام واقع جديد فرضته ليالي المونديال.
ويقول رشيد العسري (51 سنة)، صاحب مقهى بحي الألفة: " في الأيام العادية يبدأ الزبائن بالمغادرة قبل العاشرة، أما خلال المونديال فهناك رواج ملحوظ، اضطررنا إلى زيادة عدد العاملين والكراسي، لتلبية الطلب المتزايد".
ولا تنتهي المباريات بالنسبة إلى كثير من المغاربة مع صفارة الحكم، إذ تمتد إلى الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي.
فبعد نهاية اللقاءات، ينشغل المشجعون بتبادل المقاطع الطريفة والتعليقات والتحليلات وإعادة نشر لقطات الأهداف والتصديات، في طقس رقمي يوازي أجواء المقاهي والبيوت.
غير أن إيقاع المونديال لم يدفع جميع المغاربة إلى السهر وتغيير بعض التفاصيل اليومية.
فبالنسبة إلى مصطفى الكم (68 سنة)، وهو موظف متقاعد يعاني مشكلات صحية مرتبطة بارتفاع ضغط الدم، يبقى الحفاظ على مواعيد النوم أولوية لا يمكن التنازل عنها.
يقول: " أحب كرة القدم وأتابع المنتخب الوطني بشغف مثل الجميع، لكنني لا أستطيع السهر إلى ساعات متأخرة.
أخلد إلى النوم في موعدي المعتاد، ثم أشاهد إعادة المباراة أو ملخصها في اليوم التالي".
ويضيف: " في البداية شعرت أنني سأفقد متعة متابعة المباريات مباشرة، لكنني أدركت أن صحتي أهم".
ويرى أن لكل مشجع طريقته الخاصة في عيش المونديال، موضحاً: " ليس ضرورياً أن نسهر جميعاً حتى الفجر لنكون جزءاً من الحدث.
المهم أن نبقى قريبين من المنتخب ونشاركه الفرح والأمل".
وبين من يؤخر موعد نومه، ومن يعدل برنامج عمله، ومن يهيئ أجواء الفرجة داخل البيت أو المقهى، يبدو أن المونديال في المغرب أكبر من مجرد منافسة رياضية.
إنه حدث يعيد ترتيب تفاصيل الحياة اليومية لأسابيع، ويمنح ملايين المغاربة لحظات من الفرح المشترك الذي تخلقه الكرة كلما سكنت الشباك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك