لا مؤشرات على أن إسرائيل سوف تلتزم بالاتفاق الأميركي الإيراني بخصوص لبنان، وحتى لو رضخت لضغط واشنطن فسيكون هذا مؤقتا، وفي حيّز محدود.
ومرجّح أنها سوف تستمر في اعتداءاتها بذريعة نزع سلاح حزب الله.
ومن غير المستبعد أن تواصل الحرب على إيران منفردة بوسائل مختلفة، كما كانت تفعل في السابق، وتفيد قرائن عديدة بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يقبل بالفشل الذي وصلت إليه الحرب في تدمير المشروع النووي الإيراني، والصواريخ البالستية، وهو على أبواب انتخابات تشريعية مصيرية في الخريف المقبل، وستبقى هذه الورقة في مقدمة موضوعات برنامجه الانتخابي، بالإضافة إلى الاعتداءات المتكرّرة، وقضم الأراضي في سورية، ومواصلة سياسة الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، ورفض الانسحاب من قطاع غزّة.
أنتجت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وضعاً جديداً، إعطاء حكام تل أبيب لأنفسهم حق استباحة المنطقة، وفرض منطق القوة على جميع شعوبها، وقد صرّح نتنياهو أكثر من مرّة بأن أحد أهداف حربه على إيران إعادة صياغة الشرق الأوسط على نحو يجعل إسرائيل صاحبة القرار، وقال إنه بعد أن يفرغ من القضاء على" المحور الشيعي" (الإيراني)، سينتقل إلى المواجهة مع ما وصفه بـ" المحور السني"، ويقصد تركيا وباكستان والسعودية وسورية وقطر.
تستدعي الدروس التي أفرزتها الحرب على إيران نمطا مختلفا من التفكير لدى قادة دول منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وإيران وتركيا وباكستان، يضع المشروع الإسرائيلي في مرتبة أعلى المخاطر التي تهدّد حاضر بلدانهم ومستقبلها.
وقد آن الأوان للانتقال إلى العمل الفعلي من أجل مواجهة هذا التحدّي الذي لم يعد نظريا بعد الحرب على إيران التي برهنت على أن ما يحمي الدول في عالم اليوم ليس القانون الدولي وحده، بل القوة المسلحة أيضاً، ولو لم تدافع إيران عن نفسها بالسلاح لكانت اليوم تحت الاحتلال، سيما وأن نتنياهو صرّح أكثر من مرّة بأن أحد أهدافه إسقاط النظام الإيراني، ولذلك اغتال القيادة الإيرانية في اليوم الأول من العمليات العسكرية.
يرتب الوضع الجديد على هذا الدول بناء نظام إقليمي يقف بوجه مشاريع الاحتلال والحرب والتوسّع الإسرائيلية، وتبدو الفرصة سانحة أكثر من أي وقت سابق، والشروط كافة لقيام محور عسكري أمني اقتصادي، وهذا يتطلب من عديد من أنظمة المنطقة أن تغير من مقارباتها في رؤية المخاطر والمصالح، وفي مقدمتها النظام الإيراني الذي عاش منذ وصوله إلى الحكم قبل 47 عاما على النزاعات وتوليد التوترات عن طريق التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية في الخليج والعراق، وسورية، ولبنان، واليمن.
وقد تصرّف على هذا الأساس خلال الحرب أخيراً، حيث استهدف بلدان الخليج والأردن بذريعة ضرب القواعد الأميركية.
وحتى يتغير النظام الإيراني نحو الأفضل، عليه أن يلتزم بسلسلة من الشروط، أولها أن يفصل بين دول الخليج والتهديدات الإسرائيلية الأميركية، ويتخلى عن ورقة أخذ هذه الدول رهينة للمساومة مع الولايات المتحدة لتحقيق مكاسب آنية.
والشرط الثاني أن يعيد النظر بدوره في الخليج، ويتخلى عن أحلام الهيمنة، وتصدير الثورة، وبناء الفصائل والمليشيات الطائفية، واحترام سيادة هذه الدول، والتعامل معها من موقع الند، والعمل من أجل تعزيز المصالح المشتركة بما فيها الدفاعية والأمنية على نحو يجعلها تتحرّك في الاتجاهين.
ومن الواضح أن هذا لن يغدو ممكناً من دون تصحيح الوضع المختل، وألا تعيش إيران في وهم أنها قادرة بمفردها على مواجهة المشروع الإسرائيلي الذي أصبح له موطئ قدم على أرضها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك