وكالة الأناضول - بين "طوق نجاة" و"تنازل مجاني".. الاتفاق مع إسرائيل يشعل جدلا في لبنان وكالة سبوتنيك - حزب الله عبر "سبوتنيك": لا نعترف باتفاق واشنطن وسلاحنا باق والسلطة وضعت لبنان في مأزق قناة القاهرة الإخبارية - اتفاق إطاري برعاية أمريكية.. وانقسام حول اتفاق واشنطن وطهران والكونجرس يفشل أمام ترامب| تغطية خاصة وكالة سبوتنيك - الجيش الإسرائيلي يتوغل في ريف درعا ويداهم عددا من منازلها قناة القاهرة الإخبارية - الإعلام العالمي يكشف تداعيات اتفاق ترامب مع إيران على المنطقة| اتجاهات الصحافة العالمية وكالة سبوتنيك - دميترييف: حماسة فون دير لاين لدعم نظام كييف ماليا تفوق حماسة المتقاعدين الأوروبيين قناة القاهرة الإخبارية - معركة دستورية في أمريكا.. الكونجرس يعجز للمرة العاشرة عن تقييد صلاحيات ترامب العسكرية وكالة سبوتنيك - الخارجية الإيرانية: الهجمات الأمريكية على مواقع إيرانية أمس تعد انتهاكا لمذكرة التفاهم وكالة سبوتنيك - بنوك الدم في غزة تنزف وسط عجز متفاقم عن توفير الوحدات الجزيرة نت - تحقيق للجزيرة: 60 بلدة و73 قرية تواجه خطر "المحو" العسكري
عامة

أسماء عزايزة... أو أبوها الذي مات

العربي الجديد
العربي الجديد منذ ساعتين

تكتُب الشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة (41 عاماً)، أنّ علاقتها بأبيها لم تكن عظيمة. وتعني في هذا، كما تكتُب، أنّ في هذه العلاقة من الحبّ ما يكفي لتكون عظيمةً، لكنه حبٌّ فلاحيٌّ وفطريٌّ خجولٌ ومتردّد، ل...

تكتُب الشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة (41 عاماً)، أنّ علاقتها بأبيها لم تكن عظيمة.

وتعني في هذا، كما تكتُب، أنّ في هذه العلاقة من الحبّ ما يكفي لتكون عظيمةً، لكنه حبٌّ فلاحيٌّ وفطريٌّ خجولٌ ومتردّد، لم يتغذّ على الصداقة والتبادل والمغامرة، بل على معنى الأبوّة الغريزي والعاطفي.

نقرأ هذا في كتابٍ يكاد يكون نادر النوع في سرود الأدب العربي الحديث، إذ هو مقطعٌ من سيرة ذاتية، يختصّ فقط بعلاقة كاتبةٍ (والإشارة النسوية هنا كثيرة الأهمية) بأبيها، لا في حياته أو في شطرٍ منها فحسب، بل في مماته أيضاً بسعةٍ أكثر.

والندرة هنا في أنّ حضور الأب في الآداب العربية والعالمية وفير، بتنويعاتٍ متعدّدةٍ، فهو كما أيّ شخصيةٍ في روايةٍ أو مسرحيةٍ أو قصيدةٍ أو قصّة، وللصلة به، بوصفه أباً، وظيفتُها، وهذا شرحُه طويل.

المقام هنا مختلف، فأسماء تروي عن أبيها الذي يُتوفّى في الصفحات الأولى، ليس فقط ليُستعاد شخصُه وما كان عليه، ولا لاستذكار وقائع عنه ومنه، وهو هنا كما آباء كثيرين، متعلمين مثقفين، وفلسطينيين، بل أيضاً لترسمه الكاتبة من ذاكرتها عنه، ولتُجلي عن شخصها في مماته وقبله وبعده، وعن فضاءٍ أسريٍّ، وآخر اجتماعيٍّ أوسع، بل وسياق إسرائيلي فلسطيني خاص، بالنظر إلى أن مُقام الأب في قرية دبّورية (قضاء الناصرة)، ومُقام الابنة في حيفا، وكلتاهما في فلسطين المحتلة في 1948، وناسُها العرب مواطنون إسرائيليون في وطنهم.

على أن الأهم ليس في هاته المسألة، العابرة والجوهرية في آنٍ، وإنما في ذلك التأمّل الطلْق الذي تجريه الكاتبة الشاعرة الصحافية، في الموت نفسه، بمعناه غياباً وفقداً، وبإحالاته إلى زمنٍ يرتحل ويمضي، والتفلسُف (بالمعنى الإيجابي) في شؤونه، الحداد وغسل الميّت والتعازي والرثاء والتعبيرات المتنوّعة، اجتماعياً وثقافياً، عن الميت واستذكاره في مجالس عامّة وخاصّة،

إلخ.

عنونت أسماء عزايزة كتابها" عام المتاحف الصغيرة.

مذكّرات ابنة" (روايات، الشارقة، 2025)، وهذا مُربك، بعيداً عن أن الكتاب مذكّراتٍ في عامٍ موشّاةٌ بيومياتٍ قليلة قبله وفي أثنائه، فلا تقرأ في 180 صفحة شيئاً عن متاحف، سوى ما تأتي عليه، استعارياً، لمّا تُماثل، بغير مشابهةٍ مباشرة، غرفة والدها المتوفّى منذ عام بمتحفٍ مغبرّ، لم تأتها منه" ذاكرةٌ جديدةٌ أكثر حدّة، بل قبع المتحف وراء الباب نحو عامٍ كامل، وصرتُ أمرُّ عنه كمن يمرُّ على مقبرةٍ لا يعرف أياً من أمواتها".

والاستعارة التي تفيضُ إشراقات دالّة هنا، ذات علامات كاشفة في النصّ عموماً، في أن تعقّب الساردة عبارتها تلك بأن لديها" متاحف صغيرة في جيوبي ومحفظتي ومقلمتي وأدراجي.

أحتفظ بمسبحةٍ زرقاء وبقلم ريشةٍ وأوراقٍ كربونيّةٍ للنسخ ومِحرمة وجدتُها في جيب إحدى معاطفه، وبفضولي الذي لم ينته تجاه مكان النظّارة المربعة ومكان أبي الجديد الذي أعاد الحياة الأرضية إلى روحه الأبدية".

ما الذي أرادته صاحبة" كما ولدتني اللّدّية" (مجموعة شعرية، 2015) في الإحالة المركزية في عنوان كتابها إلى المتحفيّة، وإلى منظورها إلى غرفة والدها بعد مضي عام" متحفاً مغبرّاً"؟

كأنّ الكاتبة المجتهدة (فازت بجائزة القطّان للكاتب الشاب في الشعر 2010) ترى أن التعلّق بالأشياء، بأي ماضٍ، بأي حبٍّ انقضى، أياً كان منسوب العاطفي، الوجداني، فيه، سيصير أمراً متحفياً، وإنْ ليس سياحيّاً بلا روح.

النوعيُّ في هذا الكتاب تلك العفوية التي تتهادى فيها استرسالات الكاتبة، وكذا الشفافية الباهظة التي تقيمها مع القارئ، أو على الأصحّ مع نفسها، سيّما وأنها تكتُب، في واحدٍ من مقاطع النصّ الحارّ، إنه لم يبق بحوزتها، بعد موت والدها، مشهدٌ غير منتهي الصلوحية (لماذا ليس الصلاحية؟ ) من الذاكرة" لقد اجتررتُ كل المشاهد وصار لزاماً عليّ حتى أحتفظ بأقرب لحظة زمنية كان ينبض قلبه فيها،

".

كما تلك العفوية التي تتوازى مع إحالاتٍ على كتّابٍ جاءوا على الموت موضوعة للتفكّر، وإحالاتٍ على اختلاف ثقافاتٍ وأديانٍ وعاداتٍ وتقاليد.

ليس مأذوناً للنساء، في بلادنا، أن تحضُر المرأة غسل الميّت الرجل، فلم تشاهد أسماء غسْل والدها ميّتاً.

تكتب إنّ" القوانين الدينية والاجتماعية" حرمتْها من غسله، فلم تدلّك عنقه بالصابون، لم تفكّ يديه اللتيْن ستصلان من الثلاجة متشابكتَيْن ومربوطتَيْن بقماشة بيضاء فوق صدره،

لم تسكب من الإبريق المياه الدافئة فوق شعره.

تبرع أسماء عزايزة في إنجازٍ نصٍّ يعلو بالشخصيٍّ إلى منزلةٍ فيها الغزير من المؤانسة الشفيفة.

ذكّرتنا بكتابها مناسبة عيد الأب، الأسبوع الماضي، فيما يُقرأ بلا داعٍ لأي مناسبة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك