كانت جولات التفاوض بين لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع في واشنطن، متعثرة منذ بدايتها الثلاثاء الماضي.
عقدتها المركزية حسب ما تردد وتسرّب، كانت حول" من يتراجع أولاً" من مسرح المواجهة؟ وازداد تعقيدها مع عدم تزحزح الجانبين قيد شعرة في مسائل" الخطوط الحدودية وتوزيع القوات ومواقعها" في الجنوب.
جلسات التفاوض لمعالجتها وصلت إلى نقطة الانسداد.
إسرائيل ترفض الانسحاب من أي أرض تحتلها، ووزير أمنها يسرائيل كاتس هدد بعدم التخلي عن هذه المناطق حتى" لو أرادت أميركا ذلك"، وهو لم يكن يقوى على الذهاب إلى هذا الحدّ في التحدّي لولا معرفته المسبقة بأن واشنطن تتفهم مثل هذا الموقف، ولو أنها تميل إلى تليينه وفق ما تقتضيه المرونة المطلوبة في لحظة تسوية من هذا النوع.
ومن هنا، جاءت على ما يبدو فكرة" الإطار" كعملية استنساخ لصيغة" مذكرة التفاهم" التي اعتُمدت مخرجاً لحالة التعليق التي كان يعيشها وقف إطلاق النار مع إيران، وبالتالي للعودة إلى طاولة المفاوضات.
في بيانها حول الموضوع، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن اتفاق" الإطار" بين لبنان وإسرائيل" يؤسس لعملية من شأنها استرجاع سيادة لبنان، ونزع سلاح حزب الله، وتفكيك بنيته التحتية، فضلاً عن تمكين إسرائيل من العودة إلى حدودها بعد إزاحة هذا الخطر".
ويتحدث البيان عن منافع هذه الصيغة على الطرفين، لكن بلغة العموميات من دون تفاصيل وتحديد لمسارات أو مهل زمنية في هذا الخصوص.
فقط، يذكر أن واشنطن ستقدم مبلغ" 30 مليون دولار" إضافياً لتعزيز" قدرات الجيش اللبناني وفعاليته لاسترجاع السيادة" للبنان.
وشدد الوزير على عبارة" السيادة" في كلمته في أثناء التوقيع على الوثيقة.
عدة نقاط تستوقف في هذا المخرج، تشمل أساساً غياب الضمانات (المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي)، وضعف الدعم بل هزالته للبنان، فضلاً عن آلية الضبط والمتابعة.
ينص" الإطار" على تشكيل" مجموعة عسكرية ثلاثية تعمل واشنطن على تسهيل مهمتها، من أجل مساعدة الجانبين -اللبناني والإسرائيلي- على تطبيق الاتفاق"، وهي لجنة فنية تقريباً.
وتجدر الإشارة إلى أنه سبق أن شُكِّلَت لجنة من هذا النوع باسم" الميكانيزم" وكانت خماسية، لضبط تطبيق القرار الدولي 1701 وتنظيمه بين لبنان وإسرائيل خلال 2024 -2025، وكان الفشل نصيبها.
الالتباس في المهمة قاد إلى عكس ما كان يجب أن يفضي إليه الوضوح؛ فالمطلوب ضمانات وليس فقط تسهيلات أميركية.
والتجربة الأخيرة التي لم ينشف حبرها بعد، تؤكد ذلك.
" مذكرة التفاهم" بين واشنطن وطهران لم تمضِ عليها سوى أيام قليلة، قبل أن تؤدي التباساتها إلى ما أتت لاجتنابه.
كثرت التفسيرات المتضاربة لبنودها بين الموقعين عليها، بما أعاد التوتر إلى الأجواء، بعد أن تسبب هذا التضارب باستهداف إيران إحدى السفن لدى عبورها لمضيق هرمز.
مسارعة واشنطن الجمعة إلى الرد بضرب مواقع إيرانية، أثار القلق من العودة إلى المربع الأول.
وفي هذه الأجواء الهشة، عادت أسعار النفط إلى الارتفاع، ومعها عاد المجهول ليجدد المخاوف الأمنية والاقتصادية، وطبعاً النفطية.
وهناك خشية من أن تردّ طهران على الضربة بشكل يؤجج نار الجبهات الأخرى المترابطة مع بعضها، علماً أن الحرس الثوري أعلن أنه قاد فعلاً بالردّ، دون تقديم تفاصيل إضافية.
النار قاسم مشترك بين اتفاقي لبنان وإيران، وكذلك المخارج التي تُرسم لهما والتي تؤثر سلباً، كما إيجاباً، في مآلاتهما.
الآن يأتي" الإطار بدايةً للبداية"، كما قال الوزير ماركو روبيو في كلمته الجمعة، وهو جاء بديلاً لفشل المفاوضات، لكنه بديل مؤقت.
" التفاهم" بعد نكسة الجمعة، مرشح للمزيد من الاختبار والانتكاسات التي يُستبعد أن تسقطه.
على الأقل لأن الطرفين، لبنان وإسرائيل، لا يريدان الوصول إلى هذه النقطة.
الأرجح أن يدخل في مرحلة من التعثر، و" الإطار" قد يكون محكوماً بالمسار نفسه، لكونه تدبيراً من الفصيل نفسه.
وفي الحالتين تبقى الحلول مؤجلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك