يترقب العالم بقلق نتائج الاتصالات الجارية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بمشاركة الوسيطين القطري والباكستاني، لتثبيت مذكرة التفاهم والتوصل لاتفاق نهائي يضمن عدم عودة الحرب وينقل منطقة الشرق الأوسط لمرحلة أكثر استقراراً.
ويسود القلق بعض المراقبين لاستمرار التصريحات المتناقضة بين المسؤولين الأميركيين والإيرانيين حول مواضيع أساسية، مثل البرنامج النووي ومضيق هرمز.
فكل من الطرفين يواجه تحديات داخلية كبيرة بتسويق سرديته للمحادثات وما تم التوافق عليه حتى الآن، في جو يسوده الكثير من التشكيك والاتهامات المتبادلة.
فكل من واشنطن وطهران يدعيان النصر الكبير وأنه يفرض شروطه على الآخر.
ورغم أن كلاهما يسعيان بجدية لعدم العودة للحرب ولإنجاح الديبلوماسية، إلا أن لهجة الخطابات الحادة والسقوف العالية للشروط ولإقناع الرأي العام المحلي بأنه منتصر، قد تؤدي للفشل وتجدد الحرب.
طبعاً هذا من دون إضافة تأثير الدور الإسرائيلي السلبي من المفاوضات.
من المبكر تحديد من ربح أكثر مما تم تحقيقه حتى الآن وما يمكن أن تفضي إليه المفاوضات لاحقاً.
فهذا يتم عند الإعلان عن انتهاء الحرب وعودة القوات لقواعدها.
يعتبر النظام الإيراني عدم سقوطه انتصاراً، وقد يكون محقاً بذلك.
إنما تداعيات الحرب ستتوالى لمدة زمنية لن تقل عن سنتين سيواجه فيها النظام تحديات ومصاعب داخلية جمة نتيجة سنوات طوال من العقوبات تبعتها حرب مدمرة وحصار بحري قاس.
وحجم الأموال الإيرانية المحجوزة التي سيتم الإفراج عنها بالأشهر المقبلة، لن يغطي سوى القليل جداً مما يحتاجه النظام للتعامل مع الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجها الشعب.
كما أن جزءاً من هذه الأموال (لن يقل عن 12 مليار دولار) ستنفق من حساب خاص ستشرف عليه واشنطن لشراء مواد غذائية من إنتاج أميركي.
وبالتالي، لن تكون هناك حرية مطلقة لطهران بالتصرف بكامل أموالها المحتجزة دولياً.
لم يحصل الرئيس دونالد ترامب على النصر الحاسم الذي كان يتمناه.
فلم يكن هناك تكرار لسيناريو فنزويلا، إذ رغم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إلا أن القيادة البديلة أصرت على القتال وأغلقت مضيق هرمز متسببة بأزمة عالمية وتصعيب الأمر على ترامب.
فوجد الرئيس الأميركي نفسه أمام سيناريو حرب يستدعي نشر قوات على الأرض، وبدأ فعلاً بالاستعداد له.
لكن هكذا خطوة ستضعه بمواجهة قاعدته الشعبية التي لطالما شدد لها في خطاباته بأنه لن ينزلق لحروب بالشرق الأوسط كأسلافه ولن يكون هناك جنود على الأرض.
ويواجه ترامب معضلة أخرى وهي التوصل لاتفاق يزيل البعد العسكري في برنامج إيران النووي، وهذا يتحقق فقط بإزالة اليورانيوم العالي التخصيب وبألا تستطيع إيران تخصيب اليورانيوم لعقدين من الزمن.
أي شيء أقل من ذلك سيعتبر من الرأي العام الأميركي إتفاقاً سيئاً وشبيهاً جداً باتفاق عام 2015 الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما مع طهران وألغاه لاحقاً الرئيس ترامب واصفاً إياه بأسوأ اتفاق ممكن.
وتشكك تل أبيب في إمكان قبول طهران شروط ترامب بالملف النووي.
يدرك فريق الرئيس ترامب أن أي اتفاق لن يمر بسهولة إذا لم يلحظ أمن إسرائيل، ومن هنا هو يعمل على فكفكة أذرع إيران ويعطي اهتماماً كبيراً ل" حزب الله" في لبنان.
ولقد بدأت الضغوط على الحكومة العراقية تؤتي ثمارها إذ بدأت غالبية فصائل الحشد الشعبي بتسليم أسلحتها للدولة.
كما أن تضمين مذكرة التفاهم الحرب في لبنان، يهدف لدفع طهران الى الضغط على" حزب الله" لوقف عملياته العسكرية والانسحاب من جنوب الليطاني، مما سيسهل المفاوضات بواشنطن ويفتح الطريق لحل دائم لسلاح" حزب الله".
ستشكل الصواريخ الباليستية الإيرانية الملف الأصعب لترامب، ولذلك، تعتقد جهات ديبلوماسية أن واشنطن تدرك أنها قد تضطر لتجاهل هذا الملف في مقابل تعزيز قدرات دول المنطقة في الدفاع الصاروخي، والسماح لبعضها ببناء ترساناتها من الصواريخ الباليستية لرفع منسوب الردع ضد طهران.
يبدو أن هناك جهات بطهران تعتقد أن الرئيس ترامب بمأزق، وتؤمن حقاً بأن أميركا هزمت، ولذلك تمارس ضغوطاً كبيرة على قيادات ومفاوضين إيرانيين لعدم التنازل في ملفي النووي ومضيق هرمز.
وهذه القوى ستقع في المشكلة التي أدت للحرب بادئ الأمر، إذ إنها لم تعتقد أن ترامب كان جاداً في تهديداته بشن الحرب ضدها.
قد يقدم النظام مجدداً على حسابات خاطئة مبنية على وهم القوة والنصر ويصر على شروطه ويرفض المساومة.
فترامب أعلن أنه لن يقبل فرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز كما تطالب إيران، ويصر على حسم الملف النووي.
لن يستطيع ترامب تسويق اتفاق لا يحقق هذين الأمرين.
وإذا ما خير بين اتفاق سيّئ أو العودة لحرب قد تتضمن إرسال قوات للسيطرة على مضيق هرمز، فعلى الأرجح سيختار الحرب.
ويفقد بهذه الحالة النظام فرصة ذهبية لن تتكرر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك