ترى صحيفة" يديعوت أحرونوت" العبرية أن أهمية الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل لا تكمن في تفاصيله التي لم تعلن بعد، وإنما في المبادئ التي يرسخها، معتبرة أن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى قدرة الطرفين على تنفيذه عملياً، في ظل تجارب سابقة انتهت إلى الفشل، أبرزها اتفاق عام 1983 والقرار الدولي 1701.
وأوضحت الصحيفة أن التفاصيل الكاملة للاتفاق الذي وقع مساء الجمعة في وزارة الخارجية الأمريكية لم تنشر حتى الآن، كما لم يعلن عن جدول زمني للتنفيذ، إن وجد أصلاً، ولم تتضح أيضاً حدود الجيوب أو المناطق التجريبية التي يفترض أن ينسحب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي، مشيرة إلى أن هذه المسائل ربما لم تحسم بعد، وأن ما جرى التوصل إليه يمثل اتفاقاً مبدئياً.
ورغم ذلك، تؤكد الصحيفة أن القيمة الحقيقية للاتفاق تكمن في المبادئ التي أعلنت إسرائيل ولبنان التوافق عليها، خاصة في ظل ما وصفته بمحاولات إيران إعادة فرض سيطرة حزب الله على لبنان وإعادته إلى موقع" الدولة الوكيلة" لطهران، كما كان خلال السنوات الماضية.
وتشير الصحيفة إلى أن أول هذه المبادئ يتمثل في احترام كل من إسرائيل ولبنان لسيادة الآخر، وهو ما يعني – وفقا لتفسيرها – أنه لا يحق لأي مواطن لبناني، حتى لو كان عضواً في حزب الله، تنفيذ عمليات عسكرية أو إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل دون موافقة صريحة من الحكومة اللبنانية.
وفي المقابل، فإن إعلان إسرائيل احترامها للسيادة اللبنانية يعني، بحسب الصحيفة، استعدادها للانسحاب إلى الحدود الدولية بمجرد زوال التهديد القادم من جنوب لبنان، إضافة إلى استعدادها لمناقشة النقاط الحدودية الثلاث عشرة المتنازع عليها مع الحكومة اللبنانية.
وترى الصحيفة أن هذه الخطوة لا تعني تحقيق السلام أو تطبيع العلاقات بشكل كامل، لكنها تمثل بداية لإنهاء حالة الحرب بين الجانبين.
الانسحاب الإسرائيلي مشروط بنزع سلاح حزب اللهأما المبدأ الثاني، والذي وصفته الصحيفة بأنه الأكثر أهمية في المرحلة الحالية، فيتمثل في أن أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان سيكون مشروطاً بعدم عودة حزب الله إلى المنطقة ونزع جميع أسلحته، الثقيلة والخفيفة.
وبحسب الاتفاق، إذا لم يتم تجريد حزب الله من سلاحه، فإن إسرائيل تحتفظ بحقها في الاستمرار بالحفاظ على الوضع الأمني الحالي داخل المنطقة.
وتضيف الصحيفة أن إيران تشترط انسحاب إسرائيل من لبنان كجزء من أي اتفاق بينها وبين الولايات المتحدة، إلا أن الاتفاق الحالي بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، وبرعاية مباشرة من الولايات المتحدة ووزير خارجيتها ماركو روبيو، يوجه – وفق الصحيفة – رسالة واضحة إلى طهران مفادها أن" لبنان ليس شأناً إيرانياً"، وأن عليها عدم التدخل في شؤونه.
وترى الصحيفة أن هذا المبدأ يتعارض بشكل مباشر مع المساعي الإيرانية لإعادة تثبيت حزب الله كوكيل دائم لها داخل لبنان، وهو ما تعتبره متوافقاً مع السياسة الإسرائيلية.
تنفيذ تدريجي بإشراف أمريكيأما المبدأ الثالث فينص على أن الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة الأمنية الواقعة جنوب وشرق الخط الأصفر لن يكون تلقائياً، وإنما سيكون مرتبطاً بأداء الجيش اللبناني، وبعمل الجهة الأمريكية المشرفة على تنفيذ عملية نزع السلاح، إلى جانب الآلية العامة التي ستراقب تنفيذ الاتفاق بالكامل.
وبذلك، تؤكد الصحيفة أن إسرائيل ليست ملزمة بالانسحاب الكامل من المنطقة الأمنية التي تسيطر عليها حالياً، وأن العملية ستكون مشروطة بالتنفيذ الفعلي، معتبرة أن هذه الصيغة قد تشكل نموذجاً يمكن تطبيقه مستقبلاً في قطاع غزة وربما أيضاً في سوريا.
حزب الله يفقد مبرر" حماية لبنان"وترى الصحيفة أن الاتفاق يسحب من حزب الله شرعية ادعائه بأنه" حامي لبنان"، إذ إن الحكومة اللبنانية، بحسب وصفها، أصبحت تقول للحزب إن وجوده المسلح يعطل عودة نحو مليون شيعي إلى قراهم، ويحمله مسؤولية الدمار الذي أصاب تلك المناطق.
دعم أمريكي بقيمة 130 مليون دولاروتلفت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة قدمت للبنان حافزاً مالياً بقيمة 130 مليون دولار لدعم تنفيذ الاتفاق، موزعة بين 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية، و30 مليون دولار كمساعدات عسكرية.
وترى أن هذا التمويل يمنح لبنان حافزاً اقتصادياً إلى جانب الحوافز السياسية والأمنية، خاصة في ظل الحاجة الكبيرة إلى إعادة الإعمار، رغم أن البلاد تحتاج إلى مليارات الدولارات.
ورغم الإشادة بالمبادئ التي يتضمنها الاتفاق، تستعيد الصحيفة تجربة عام 1983، حين جرى توقيع اتفاق سلام بين إسرائيل ولبنان عقب مفاوضات قادها المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية آنذاك ديفيد كمحي مع القيادة اللبنانية من عائلة الجميل، بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل.
وتشير إلى أن ذلك الاتفاق لم تصادق عليه الحكومة اللبنانية أو البرلمان اللبناني، كما لم تصادق عليه الحكومة الإسرائيلية، لينتهي به المطاف حبراً على ورق، حتى بات كثيرون لا يتذكرون وجوده.
كما تذكر الصحيفة بأن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي أنهى حرب لبنان الثانية، لم ينفذ بالشكل المطلوب وظل إلى حد كبير بلا أثر عملي.
وتختتم الصحيفة تقريرها بالتأكيد على أن التدخل الأمريكي المباشر قد يجعل الوضع مختلفاً هذه المرة، إلا أنها تدعو إلى خفض سقف التوقعات وانتظار ما إذا كانت الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية ستنجحان بالفعل في تطبيق الاتفاق على أرض الواقع، معتبرة أن التنفيذ سيبقى المعيار الحقيقي لنجاح هذه التفاهمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك