لم يكن فيلماً كبيراً، أو حتى واحداً من تلك الأفلام التي يمكنها أن تخلد في تاريخ السينما العالمية، غير أن عرضه في المسابقة الرسمية لمهرجان" كان" السينمائي في الجنوب الفرنسي، وفوزه بالسعفة الذهبية التي لم يتوقعها له أحد في تلك المسابقة، قلب كل الموازين، بل لنقل: خلق تلك الأسطورة التي ستعيش سنوات طويلة وتتحلق من حول تلك السينما التي بدت حينها وكأنها خلقت من العدم.
لكن أهم من ذلك، بالنسبة إليها، أنها قد بدت وكأنها راسخة في مكانتها تلك، منذ زمن بعيد.
قلة فقط من غلاة المهتمين، تنبهوا إلى أنها كانت سينما غير معروفة لهم من قبل، وأن أسماء صانعيها جديدة تماماً على أذهانهم.
كان ثمة فيها ما يبدو راسخاً منذ زمن.
ولعل الأغرب من ذلك، أن تلك السينما التي ستتواصل شق طريقها بقوة في المهرجانات الأوروبية الرئيسة، سرعان ما سترتبط بها أسماء أخرى غير تلك التي صنعت البدايات، بحيث إن صناع تلك البدايات سيلفهم النسيان، لتبرز أسماء على أطلالهم، لا تزال هي هي بعد ثلثي قرن، الأسماء الأكثر تأكيداً على هوية السينما اليابانية التي سرعان ما باتت جزءاً من سينما العالم.
ولعل في مقدورنا هنا التوقف عند ثلاثة أسماء يابانية كبيرة هي كوروساوا وميزوغوشي وأوزو.
ومع ذلك فإن الاسم الأبرز الذي سبق تلك الأسماء ونال سعفة" كان" الأولى يحمل اسم كينوغاسا الذي لن يلتقيه غلاة الفن السينمائي لاحقاً، إذ أخلى المكان للثلاثي الذهبي المذكور.
في النهاية كان لكينوغاسا فضل إطلاق الشعلة في" كان" والأسباب جمالية خالصة، ولكن أيضاً، ربما على سبيل خطأ ما.
فالفيلم الذي نال السعفة يومها لم يكن يابانياً، بل صينياً، ولكن من صناعة هونغ كونغ التي لم تكن بعد قد صارت جزءاً من الوطن الصيني الأم، لكن هونغ كونغ كانت مصنعاً سينمائياً ورأس مالٍ كبيراً يوظف في أي إنتاج كان.
وكان لولب تلك الصناعة المنتج دايي الذي كانت شراكاته تمتد من الإخوة شاو في هونغ كونغ، إلى منتجين حذقين يعملون في هوليوود وباريس وبرلين، ولهم نفوذ وحسن صلات مكناهما من تحصيل السعفة لفيلم" باب الجحيم".
ولما كان موضوع الفيلم الياباني وكبير السينمائيين اليابانيين في ذلك الحين هو كنجي ميزوغوشي الخارج لتوه من أتون الأيديولوجيا النازية إلى رحابة أفكار" العالم الحر"، بدا من المنطقي للمنتج الآتي من هونغ كونغ أن يتصل به واعداً إياه بتقنية باهظة الكلفة وبضخامة إنتاجية إن هو استغل موهبته الفنية لحسابه وحقق له فيلماً يزمع إنتاجه عنوانه" الإمبراطورة يانغ كوي في".
وهكذا لم يولد فقط على تلك الشاكلة واحد من أجمل الأفلام اليابانية التاريخية الأولى التي وصلت إلى العالم، بل ولد معه ومن جديد، ذلك المخرج الذي كان يشعر أن وقته قد حان ليحدث تلك القلبة الكبرى في مساره السينمائي، ويعوض سينما تاريخية ترفض ضمنياً تلك الواقعية التي ميزت أفلامه، لكنها في مرحلته" النازية" المبكرة، كانت واقعية لا تنتمي إلى تلك المعهودة في روسيا ويعثر المبدعون اليابانيون على فكرهم التقدمي من خلال استلهامها.
ولعل أهم ما في تلك القلبة هو تخلي ميزوغوشي عبرها عن البؤسوية ومواضيع الأزقة والبائسين، ليغرق في حكايات تاريخية ستطغى على مساره السينمائي الذي لن يدوم على أية حال، ولسوء طالعه، سوى أشهر قليلة تالية حقق خلالها أفلاماً رائعة، أفلاماً عرفت كيف تجتذب متفرجي العالم إلى تاريخ لليابان يختلف عن ذاك الذي اجتذبتهم إليه تواريخ كوروساوا وفرسان القرون الوسطى والزمن الإقطاعي.
ولم يكن غريباً في هذا السياق أن يكون ذلك الفيلم، أولاً وأخيراً، فيلماً غراميا.
وفيلماً عن إمبراطورة غائبة، وفيلماً عن تعلق الإمبراطور نفسه بحبيبته بعد رحيلها.
ومن اللافت أن هذا الفيلم الذي أراد له منتجوه أن يستعيد النجاح الذي كان فيلمهم السابق قد حصده في مهرجان" كان"، تمكن بالفعل من أن يحصد نجاحاً قد يكون أضأل منه شأنه في العام التالي في مهرجان البندقية، حيث نال جائزة الأسد الفضي، وهي جائزة أتت لتشير بكل وضوح إلى أن الفوز في" كان"، لم يكن صدفة، وأن هكذا جائزة تؤكد حضوراً سينمائياً يجب أن يحسب له حساب مُذاك وصاعداً.
فكيف إذا كان الموضوع، على رغم حميميته المطلقة، حكاية إمبراطورية لا يفوتها أن تضخ الشاشة بألوانها الزاهية والملابس والديكورات، حتى ولو بدت هذه على تناقض مع مناخ الحزن المخيم على الفيلم منذ لحظاته الأولى؟فمنذ تلك اللحظات يطالعنا الإمبراطور هانغ تسونغ نفسه وهو يعيش ساعات حزن لا نهاية لها متذكراً ومتألماً لفقدانه بموت لا يرحم زوجته الأولى.
ولعل ما يضاعف من حزنه أن قائده العسكري الجنرال لو - شان يحاول أن يزوجه من جديد بالنظر إلى أنه لا يمكن لحاكم تلك الأمة أن يبقى دون امرأة.
وبالفعل يخضع الإمبراطور لمشيئة القائد ويتزوج من تلك الفتاة على مضض.
غير أن الذي يحدث عند ذاك هو أن فترة الحزن كانت أطول من أن تساعد القائد والإمبراطور على التصدي للمؤامرات المحاكة من قبل أعدائهما المشتركين.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ولنضف إلى هذا أن عائلة الإمبراطورة الجديدة لم تكن محبوبة في المملكة، وهكذا تتشابك الأمور السياسية بالمسائل الشخصيات بالصراعات العائلية، لكن ذلك التشابك كان هو الذي أتاح للعروس الجديدة أن تظهر قدراً هائلاً من الحنكة وحس التضحية أيضاً ما يبرر حمل عنوان الفيلم اسمها وتعلق الإمبراطور بها.
غير أن الأهم من ذلك من الناحية السينمائية الخالصة، كان في مكان آخر تماماً: كان حيثما أدرك ميزوغوشي أن تلكم هي فرصته الكبرى ليخوض أقصى ما يمكنه من تعامل خلاق وجمالي مع السينما، بخاصة أن هذا الفيلم كان أول اشتغال له على الفيلم الملون هو الذي كانت جماليات سينماه سابقاً تقوم على روعة تعامله مع الأسود والأبيض.
هنا كان عليه أن يخوض اختبارا جديداً.
ولقد ساعدته الألوان التي سيقال إنه اشتغل عليها انطلاقاً من دراسته المعلقة لمئات اللوحات من تراث الملصقات اليابانية.
ولقد كان مبرره في ذلك أنه أراد أن يجعل من الفيلم أنشودة حب وليس درساً في التاريخ.
لقد أحس أن هذه الحكاية تضعه على تماسك مع الحب الذي نادراً ما كان موضوعاً من مواضيع أفلامه قبل ذلك.
والأدهى من هذا أن الحب هنا ليس، كالعادة، حب امرأة لرجل، بل حب رجل لامرأة.
ولسوف يقول النقاد اليابانيون إن هذا المبدع قد نسي في خضم غوصه في موضوعه هنا، أن جوهر الفيلم حكاية عن التضحية، حكاية يكمن الموت عند هاوية نهايتها، لكن جمال كل صورة من صور هذه التحفة التعبيرية، يجعل المتفرجين، كما المخرج نفسه، ينسون فاجعة النهاية مع أنهم يتوقعونها، بالنظر إلى أن الحكاية نفسها معروفة وتشكل جزءاً من تاريخ لا يغيب عن ذاكرة أحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك