على رغم أن" ذات الكيمونو الأبيض" للكاتبة الأميركية آنا جونز (سلسلة إبداعات عالمية – الكويت، بترجمة لطيبة صادق) هي عمل أدبي خيالي، إلا أن جونز لا تخفي أنها استوحتها من أحداث وقصص حقيقية، " بما في ذلك قصتي، أو بالأحرى قصة والدي".
قصته مع الفتاة اليابانية الجميلة التي أحبها أثناء تجنيده في البحرية الأميركية.
كانت عائلتها قد دعته لتناول الشاي التقليدي، ولكن عند مقابلته، رفض لأنه بحار أميركي.
ومن هنا بدأ البحث والتخيل، " لقد بدأت العمل عكسياً معتمدة على ما عرفته من مواقع الموانئ، وتواريخ الخدمة، وقصة والدي".
ثم مضيت قدماً في البحث والتنقيب عن قوانين السجل الدولي للزواج والولادة للولايات المتحدة واليابان، والجيش الأميركي، " وفي ثلاثتهم، لم أجد سوى الروتين البيروقراطي المصمم لإفشال الزواج بين الأعراق".
وخلال عملها على هذه الرواية لاحظت جونز أن النسبة الصغيرة من العسكريين الأميركيين الذين سمح لهم بالزواج واجهت قوانين دائرة الهجرة الصارمة، وقوانين مكافحة اختلاط الأجناس عندما عادوا إلى الوطن.
بينما واجهت الزوجات اليابانيات التمييز القاسي في الولايات المتحدة، فإن ذلك كما تؤكد الكاتبة لم يكن بشيء، مقارنة بأولئك اللاتي تركن وراءهم في اليابان، إذ ولم يكن لدى هؤلاء النساء المنفيات في دولهن أي وسيلة للعيش.
لقد ولد أكثر من 10 آلاف طفل لجنود أميركيين من نساء يابانيات قبل وأثناء وبعد الاحتلال.
ومن بين هؤلاء جرى تسليم ما يزيد قليلاً على 700 طفل إلى دار إليزابيث سوندرز وهي دار للأيتام في أويسو باليابان، أنشأتها ميكي ساودا في عام 1948، خصيصاً للأطفال ذوي الأعراق المختلطة الذين جرى التخلي عنهم.
تحكي رواية" ذات الكيمونو الأبيض" عن فتاة يابانية وقعت في حب جندي في قاعدة بحرية أميركية في اليابان عام 1956.
ويمضي السرد فيها على خطين متوازيين.
يبدأ الأول باكتشاف الصحافية" توري كوفاتش"، أن والدها ارتبط في شبابه بفتاة يابانية، وهناك احتمال أن يكون أنجب منها، ومن ثم تصر عقب وفاته مباشرة، على كشف غموض تلك الواقعة بعد مرور 50 عاماً على حدوثها.
ويتضمن الخط الثاني ما كتبته" ناوكو" عن علاقتها بـ" جيمس كوفاتش"، الذي أطلقت عليه اسم" هاجيمي" بعدما لاحظت أن زملاءه ينادونه تحبباً بـ" جيمي"، وما جرى لها ولجنينها منه بعدما اضطر إلى مغادرة اليابان بلا رجعة.
مات" جيمي" بعد مرور عام واحد على وفاة زوجته التي أخفى عنها لأعوام طويلة أمر ارتباطه بامرأة أخرى قبل أن يتزوجها.
قال لابنته وهو يحتضر: " أمك كانت حب حياتي.
لكن قبل تلك الحياة كنت أعيش حياة أخرى" ص 95.
الابنة" توري" بمجرد رحيل الأب فتحت رسالته التي كان يفترض أن تصل إلى اليابانية، لكنها بقيت في خزانته الشخصية، فعرفت منها أن له ابنة من تلك المرأة.
ومن الخط الموازي سيعرف القارئ أن" جيمي" تعرف على" ناوكو" في أحد أيام عام 1956، أي بعد عامين من بدء فترة تجنيده في قاعدة أميركية في اليابان، ورفضت أسرتها التي تمتلك شركة تجارية طلبه الزواج منها حتى لا يدخل العائلة" دم محتلط".
ومع ذلك أصرت" ناوكو" على الزواج من" جاهيمي"، خصوصاً بعدما شعرت بأعراض الحمل، فتزوجا بمراسم يابانية تقليدية إلا أن قادته في البحرية رفضوا اعتماد وثيقة الزواج.
وبعدما يضطر" جاهيمي" إلى مغادرة منزل الزوجية المتواضع بعد أيام قليلة من الزواج، لاستدعائه في مهمة عسكرية قرب جزيرة تايوان، تضطر" ناوكو" إلى العودة إلى منزل أسرتها، بعدما طاولت غيبة زوجها، وهناك يتأكد أنها في الشهر الرابع من الحمل، فيقرر والدها وجدتها إيداعها دار رعاية، يتضح لاحقاً أنها متخصصة في التخلص من المواليد ذوي" الدم المختلط"، لتكون جاهزة بعد ذلك للزواج من شخص ياباني سبق له أن طلبها للزواج.
كانت أمها الوحيدة التي باركت زواجها من الأميركي، لكنها بعد أيام من ذلك الزواج ماتت بأزمة قلبية، أثناء مشادة مع رب الأسرة الذي كان يعاتبها على دعمها لـ" ناوكو".
في" أميركا الحاضر"، تعثر الابنة على صورة من حفل زفاف تظهر فيها امرأة ترتدي كيمونو أبيض، " قربت الصورة إليَّ.
انحرف ذقن المرأة إلى الأسفل، لذلك لم أستطع أن أرى وجهها بالكامل، ولكن شفتيها الملطختين بالمساحيق، والطيات المتقنة لطبقات الثوب، وغطاء الرأس بهيئة نصف قمر، كلها كانت توحي بحفل زفاف" ص 132.
وفي الخط الموازي سنعرف أن الأميركي واليباني تزوجا عام 1957 وفق طقوس" الشنتو"، التي تبدأ بطلاء العروس باللون الأبيض من وجهها حتى إخمص قدميها ويرمز ذلك إلى كونها عذراء.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)أما" هاجيمي" فحضر تلك الطقوس بزيه الرسمي الأبيض الناصع، الذي جرى كيَّه وتلميعه جيداً.
القبعة منخفضة على جبينه، وشعره مشذب بأناقة من تحتها.
ويبدو فكه المنقط، والحليق منحوتاً بزوايا حادة، بحسب وصف" ناوكو".
وفي تلك الأثناء، " ظهر كاهن الشنتو، مرتدياً كيمونو بلون أبيض ناصع وقبعة بمقدمة طويلة، وطلب من الجميع الوقوف ليبدأ الحفل".
كان" هاجيمي" وقتذاك، ينتظر أن تنتهي خدمته العسكرية بعد شهرين.
على أية حال، أعاده قادته إلى أميركا من دون أن يتمكن من رؤية" ناوكو" والاطمئنان على جنينيهما.
تتواصل" توري" مع صحافي ياباني ليجلب لها معلومات عن عائلة" ناوكو"، ثم تسافر بنفسها إلى اليابان وتلتقي بـ" ذات الكيمونو الأبيض"، ومنها تعلم أن أختها ماتت بعد ولادتها ومن قبل حتى أن تحمل اسماً غير الاسم الذي كان الأب والأم يتداولانه قبل ولادتها وهو" الطائر الصغير" وينطق بالياباني" توري".
بذلت آنا جونز جهداً استقصائياً ملحوظاً لتنسج روايتها التي جاءت طبعتها العربية في 298 صفحة، وتجلى ذلك خصوصاً في أجواء الخمسينيات في اليابان والتي أحاطتها بحكايات من الفولكلور الياباني والأساطير اليابانية وطقوس الزواج واحتساء شراب الساكي وتناول الشاي، " وعلى رغم أنني وضعت هذه الرواية جانباً مرات عدة، فإنها أعادتني إليها مرات ومرات.
ومع العلم تأتي المسؤولية، وبما أنني عرفت قصة الـ10 آلاف طفل الذين جرى التخلص منهم لأنهم كانوا حصاد زواج غير معترف به، فقد تحملت مسؤولية مشاركة قصتهم" ص 388.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك