في أقل من 24 ساعة على كشف أرشيف الجيش الإسرائيلي عن تفاصيل أسر الجندي جلعاد شاليط، أزاحت تل أبيب الستار عن تفاصيل عملية عنتيبي بعد 50 عاماً عليها، مما أثار تساؤلات حول سر تزامن نشر تفاصيل العمليتين، خصوصاً أن أسر شاليط في الـ25 من يونيو (حزيران) 2006 لم يمر عليه 30 عاماً وفق قواعد نشر الوثائق السرية والحساسة.
لكن بعيداً من المفارقة السابقة، كشفت مستندات ووثائق العمليتين عن إخفاقات عدة وتستر القيادة على حقائق أدت إلى إنهاء العمليتين بما يسجل في تاريخ الجيش والاستخبارات فشلاً واضحاً.
تفاصيل عملية أسر شاليط جاءت في خضم صراعات إسرائيلية داخلية حول طبيعة القتال، ليس فقط على جبهة غزة، إنما إيران ولبنان، وحتى سوريا، مع طرح سيناريوهات خطرة محاولات اختطاف جنود، مما دفع جهات إلى التطرق للإخفاقات على هذه الجبهة المتكررة منذ 20 عاماً.
اللافت في نشر وثائق اختطاف وأسر شاليط هو نشر كافة الوثائق والتسجيلات التي ترصد العملية بكل تفاصيل ساعاتها الأولى، والتي تبين من خلال استعراضها أن الجيش الإسرائيلي أخفق في كشف اختطافه منذ اللحظة الأولى، وفشل في معرفة وجوده وكيفية نجاح مختطفيه في العودة إلى قطاع غزة وإخفائه من دون أن تتمكن الاستخبارات ولا" الشاباك" ولا قوات الجيش من التوصل إلى تحديد مكان اختطافه.
وما بين مناطق جنوب قطاع غزة وشماله وبين سيناء ومناطق متعددة، اتسعت سيناريوهات التخمين حول احتمال مكان وجود شاليط والتأكد من أنه على قيد الحياة، إذ كانت البداية في الإخفاق بكشف ورصد اقتراب خلية من المدرعة التي وُجد فيها شاليط مع جنود آخرين، حتى إنه لم يكتشف فقدان جندي من داخل مدرعة إلا بعد فترة.
وبحسب المستندات فقد أصدر الجيش الإسرائيلي أمر" بروتوكول هنيبعل"، أي يمكن لقواته قتله هو وآسريه على الفور لمنع اختطافه، لكن كان ذلك متأخراً، ونجح خاطفوه في الدخول إلى قطاع غزة، وهناك اختفى أثرهم، بينما تشير الوثائق إلى أن عملية الاختطاف جرت عند الخامسة فجراً قرب كرم أبو سالم.
ويتضح أن خلية فلسطينية من قطاع غزة هاجمت قوة عسكرية داخل مدرعة إسرائيلية كانت في حال تأهب في المنطقة، مما أدى إلى مقتل جنديين إسرائيليين في حين جرى أسر شاليط داخل المدرعة.
ولعل إحدى الوثائق السرية تشير إلى أن التحرك للتتبع خلف العملية ورصد ما حدث بدأ متأخراً ودلت السجلات على أن العملية كانت مدروسة ودقيقة استخدمت فيها" حماس" نوعاً من التمويه فأطلقت صاروخاً مضاداً للدروع باتجاه موقع عسكري تزامناً مع إطلاق نار من أسلحة خفيفة.
بعد ساعتين من اختطاف شاليط وردت معلومات عن العثور على سترة واقية وخوذة على السياج، غير أن هذه المعلومة لم تدرج في سجلات العمليات إلا بعد نحو نصف ساعة.
وعند الساعة 7: 46 صباحاً سجل أنه" لم يَجرِ العثور على علامات لعملية اختطاف، أي إنه لا يوجد أثر لسحب جندي على الأرض أو المشي باتجاه غزة، لكن بعد ساعة فقط أي عند الساعة 8: 45، أشارت السجلات إلى أن قوات من الجيش المصري تنتشر طول الحدود مع قطاع غزة لمنع تهريب الجندي المفقود إلى سيناء، وبعد ساعة من ذلك عند نحو العاشرة جرى رصد آثار داخل المنطقة، للمنفذين وللجندي الذي خطف، بحسب ما جاء في توثيق التسجيلات، بما في ذلك مواد متفجرة عند فتحة نفق، بحسب التقديرات التي أوردها الجيش عن أن العملية نفذت من خلال النفق".
الوثائق تشير إلى أن" أحد منفذي الاختطاف الذي قتل قبل دخوله إلى غزة وضع على جسده حزاماً ناسفاً"، ثم عند الساعة 16: 20 استخلص المسؤولون في الجيش أن المؤشرات تدل على أن الجندي حي، لكن استبعدوا أن يكون ما زال داخل إسرائيل.
عقب اختطاف شاليط قررت إسرائيل فتح مسار عسكري وسياسي لإعادته ثم شنت عملية برية واسعة أطلقت عليها" أمطار الصيف" وسجلت كواحدة من العمليات الواسعة والخطيرة التي شملت غارات جوية وعمليات برية محددة واستهداف بنى تحتية لحركة" حماس".
تزامناً مع ذلك شنت إسرائيل عملية اعتقالات واسعة في الضفة بينهم وزراء ونواب في المجلس التشريعي أعقبتها تطورات وتصعيد أمني وصلت إلى حد اندلاع الحرب على لبنان، التي أدى إشعالها إلى تأخير صفقة شاليط وفقط بعد تدخلات دولية جرى تسليم الجندي الأسير إلى مصر ونفذت صفقة أسرى شملت 1027 أسيراً فلسطينياً مقابل شاليط.
إحدى الوثائق التي سجلت أولى التقييمات التي أجراها الجيش الإسرائيلي كشفت عن أن الخيارات التي جرى بحثها كانت متعددة وواسعة بينها ما يتعلق بفتحة نفق الكشف عنه، حيث استعد الجيش لاحتمال أن يكون هناك أي عنصر من منفذي الاختطاف داخل النفق بعدما شاهد المروحيات الإسرائيلية واختفى.
وهناك احتمال آخر يركز على إمكان أن تتطور الحادثة إلى تصعيد واسع مع دخول لقوات الجيش إلى القطاع.
توقعات أخرى شملت أيضاً أن يكون شاليط قد نقل إلى منطقة أخرى شمالاً.
50 عاماً على عنتيبي والخطر قائمالأرشيف الإسرائيلي لم يتأخر كثيراً بعد نشر مستندات شاليط ليكشف عن مجموعة واسعة من الوثائق تشمل بروتوكولات جلسات الحكومة فيما يتعلق بعملية عنتيبي.
" دعونا لا نخدع أنفسنا.
إنها عملية وإنجاز غير عادي، لكن المشكلة لم تنتهِ.
الإرهاب يواصل العمل.
وسيضع أمامنا تحديات أخرى.
أنهينا العملية، لكن الحرب مستمرة".
هذه الكلمات وردت ضمن الوثائق على لسان رئيس الحكومة السابق إسحاق رابين في تلخيصه لعملية عنتيبي والمعروفة في إسرائيل بعملية" يوناتان" نسبة إلى شقيق بنيامين نتنياهو، الذي قتل فيها.
العملية نفذت لتحرير الرهائن الإسرائيليين من مطار عنتيبي خلال الرابع من يوليو (تموز) 1976.
خطورة وصعوبة العملية تنعكس من خلال عشرات آلاف الوثائق، وهي تشمل بروتوكولات جلسات الحكومة، لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، توثيقات من مكالمات هاتفية وبرقيات ومشاورات الفريق الخاص الذي أقامه رئيس الحكومة رابين لمعالجة الملف.
تقرير إسرائيلي اعتبر أن كشف هذه الوثائق والاطلاع على المجموعة الكبيرة من أسرار ومحادثات داخلية يسلط الضوء على الترددات والمخاوف، وعلى السيناريوهات المختلفة التي جرى فحصها وعملية اتخاذ القرار بتنفيذها.
في الوثائق أيضاً هناك مذكرة لمحادثة صريحة لرابين مع محرري الصحف، طلب فيها تعاونهم لمنع نشر تفاصيل قد تعرض حياة المخطوفين للخطر.
والمعروف أن هذه العملية استغرقت نحو أسبوع منذ اختطاف الطائرة التي كان تحمل الإسرائيليين والطيارين الفرنسيين، وحتى تحرير الأحياء والجثث.
وفي العملية قتل أربعة، بينهم قائد سرية استطلاع هيئة الأركان، يوناتان نتنياهو وثلاثة آخرون وأصيب فيها خمسة جنود وست رهائن.
يشمل الكشف أيضاً تسجيلاً صوتياً لـ26 مكالمة هاتفية أجراها إيلي مزراحي مع رئيس الحكومة والمدير العام لوزارة الخارجية، وجهات رفيعة أخرى خلال أسبوع احتجاز الطائرة وكذلك نصوصاً لخمس مكالمات هاتفية أجراها باروخ بار - ليف، بوركا، الذي شغل قبل ذلك بسنوات عدة منصب ملحق الجيش الإسرائيلي ووزارة الأمن في أوغندا، مع حاكم الدولة الأفريقية آنذاك، عيدي أمين، في محاولة لتسخير العلاقة التي نشأت بينهما لحل الأزمة.
في التسجيلات يستدل أن بار - ليف توسل إلى حاكم أوغندا قائلاً، " أعتقد أن لديك فرصة منحك إياها الله لإنقاذ الناس، ولإظهار أن ما قاله الناس وكتبوه عنك غير صحيح.
إذا كنت تذكر، فقد أعطيتك دائماً نصيحة جيدة، ولم أعطك أبداً نصيحة خاطئة.
هل هذا صحيح؟ ".
وقد أجابه حاكم أوغندا، " أنا أعرف جيداً.
لكنك تعرف، أنا في صعوبات الآن، لكن يمكنك أن تساعدني في إنقاذ حياة الناس من خلال إطلاق سراح كل الأسرى".
في وثائق أخرى يتبين أنه، بما أن جزءاً من المخطوفين لم يكونوا إسرائيليين، كان هناك خوف من أن عملية إنقاذ عسكرية، قد تؤدي إلى إصابتهم، ستتسبب بتعقيدات دولية، لكن بعدما أطلق الخاطفون سراح الركاب المخطوفين غير الإسرائيليين، عقد رابين مشاورة عملياتية، وفيها طرحت وفحصت للمرة الأولى من قبل وزير الأمن آنذاك شيمون بيريز ورئيس الأركان موتا غور، إلى جانب مسؤولين كبار آخرين، إمكانات مختلفة لعملية عسكرية.
لكن رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك حذر من أنه في هذه المرحلة يمكن تنفيذ عملية محدودة فقط لقتل الخاطفين وليس عملية لتحرير المخطوفين.
وبحسبه فإن الإنقاذ عملية أكثر تعقيداً بكثير وتتطلب إنزال طائرات ومعلومات ضرورية لتنفيذها بنجاح، إذ لم يكن واضحاً حينها هل يوجد بعض المخطوفين داخل الطائرة أو كونها مفخخة؟المستندات والوثائق كشفت عن إخفاق في المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، مما استدعى اقتراح بيريز على رابين شن عملية عسكرية، محذراً من أن" هناك حاجة إلى فترة زمنية تقارب يومين للاستعداد"، وفق ما كتب بيريز نفسه قبل أن يضيف" في هذه الظروف وفي هذه الساعة، لا يبدو لي الأمر مناسباً.
لكن استعجال الأمر يكمن في أنه إذا وُجد ميل إلى عملية عسكرية، فيجب إرسال 12 مقاتلاً فوراً متنكرين كمسافرين إلى كينيا.
من ناحية الموساد هذا ممكن، هكذا قيل لي.
الطائرة يفترض أن تقلع قبيل المساء، وهي تسافر مرة واحدة فقط في الأسبوع، وهذا هو مصدر الاستعجال".
وفي إحدى الجلسات، أوصى بيريز بأنه إذا تقرر تنفيذ عملية عسكرية، فيجب اتخاذ إجراءات خداع، مثل عقد مؤتمر صحافي يشرح فيه مسار التفاوض مع الفرنسيين.
ثم في الثاني من يوليو (تموز) اجتمع وزراء مع رئيس الأركان ورئيس الموساد لمشاورة عسكرية، عرض للمرة الأولى خطة مفصلة لعملية عسكرية لإعادة المخطوفين، وهي الخطة التي صُودق عليها في نهاية المطاف.
" ما زالت تنقص معلومات استخباراتية من أجل إخراج الخطة إلى حيز التنفيذ، لكن هذا ممكن"، وهذا ما أشار إليه رئيس الأركان الإسرائيلي.
ثم في اليوم التالي، السبت، عرض رئيس الأركان على فريق خاص من الوزراء خطة مفصلة، وكذلك الأخطار المرتبطة بها، لكنه عبر عن تقدير بأن فرص النجاح الآن مرتفعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك