حى سلوان «فى القدس الشرقية» يُفرَّغ من سكانه؛ عائلات كاملة تُطرد من بيوتها بعد عقود من السكن فيها، بذريعة وحجج واهية ومثيرة للغضب.
وفى غزة يتكدس مئات الآلاف من النازحين فى مخيمات بائسة، وبعضهم لن يعود مطلقا إلى بيته الذى لم يبقَ منه شىء؛ وفى الوقت نفسه، يعقد رئيس مجلس الأمن القومى «اجتماعا طارئا» بشأن «تشجيع الهجرة الطوعية».
«هيمنوتا»، و«إلعاد»، والصندوق القومى اليهودى (كيرن كييمت)، ومجلس الأمن القومى، والجيش الإسرائيلى، وجمعية الدفن التابعة للطائفة السفاردية، والإدارة المدنية، هذه كلها مؤسسات حكومية، أو جمعيات تعمل من أجل هدف واحد: التطهير العرقى، الجيل الثالث؛ فبعد عمليتى التطهير الناجحتين فى سنتى 1948 و1967، جاءت المرحلة التالية من المشروع الصهيونى الذى قامت الدولة اليهودية على أساسه.
وخطة المراحل تتقدم على نحو جيد.
ظاهريا، يبدو الأمر كأنه مجرد سلسلة عشوائية من الأحداث التى وقعت فى الأيام الأخيرة.
وظاهريا أيضا، يبدو كأنه انفلات وفوضى خرجت عن السيطرة، يُتاح فى ظلها للمستوطنين أن يعيثوا فسادا: نزوات المتطرفين، أو انتقاما للسابع من أكتوبر 2023، لكن خلف هذا كله، تكمن غاية أكبر؛ فلدى اليمين الإسرائيلى خطة منظَّمة واستراتيجية واضحة، وهو يعمل على تحقيقها.
وفى حين يثرثر اليسار بشعارات مبتذلة وجوفاء، ويتخبط فى ضياع الاتجاه، ويغرق فى السبات الذى سقط فيه منذ اغتيال يتسحاق رابين، يواصل اليمين تشكيل واقع لا رجعة فيه.
إن إسرائيل تتحول إلى دولة ترانسفير؛ إلى دولة يُعدّ التطهير العرقى أحد الركائز الأساسية لسياستها.
وللتطهير العرقى أسماء كثيرة ووجوه متعددة؛ فهو يكون علنيا أحيانا، وخفيا ومنكَرا أحيانا أخرى، لكنه يتبلور فى نهاية المطاف كظاهرة تاريخية تجرى الآن على قدم وساق، بعيدا عن أنظار الجميع.
فبعد إنشاء نظام الأبارتهايد - الذى لم يكن الهدف الأصلى للصهيونية، أو للدولة - يأتى الترانسفير، وهو الهدف الأكبر الذى أُنشئ الأبارتهايد من أجله.
قولوا من الآن فصاعدا: إن إسرائيل ليست دولة أبارتهايد، بل هى أسوأ من ذلك، إنها دولة ترانسفير أيضا.
فالأبارتهايد فى جنوب إفريقيا لم يكن يهدف إلى تطهير الدولة من سكانها السود؛ أمّا الأبارتهايد الإسرائيلى، فنعم.
فى الأشهر الأخيرة، لم أغطِّ تقريبا سوى عنف المستوطنين فى الضفة الغربية.
أسبوعا بعد أسبوع، وقرية بعد قرية، وعائلة بعد عائلة، يتمسك الناس بمنازلهم وأراضيهم بأظفارهم حتى يعجزوا عن ذلك.
من تجمعات الرعاة التى تعيش مثلما عاش الأقدمون، فى الكهوف، من دون أن تؤذى أحدا، إلى المصرفيين الأثرياء الذين يتركون ﭬللهم فى قرى فاخرة، يعيش الجميع فى خوف ويُجبَر على الرحيل.
القرية تلو الأُخرى تُهجَّر، والعائلة تلو الأخرى ترفع الراية البيضاء وتستسلم.
يعِدون بـ«الصمود إلى الأبد»، وبعد بضعة أشهر، ينتهى الصمود، ولا يبقى من البيت سوى أكوام من الخراب.
وهم لا حول لهم ولا قوة، ولا حماية، ولا خيار أمامهم؛ هكذا تُطهَّر الأرض من سكانها بالتدريج.
حتى حكومة تغيير لن تستطيع تغيير كثير من الوقائع التى حُسمت على الأرض.
صحيح أن الأمر لا يزال يتعلق بعدد قليل من المهجَّرين من حيث الأعداد المطلقة، إذا استثنينا قطاع غزة والجنوب اللبنانى، وصحيح أن هناك كثيرا من العمل الذى يجب القيام به، لكن الاتجاه واضح، ومنهجيته مخيفة.
لقد بدأوا بالفئات الأضعف: تجمعات الرعاة، أو سكان القدس الشرقية، الذين لا يجدون أى إنصاف فى النظام القضائى الإسرائيلى، وهو نظام فصل عنصرى بطبيعته، ويمضون قدما من دون أى عائق.
بين تهجير غزة وتهجير سلوان يمرّ خط مستقيم واحد: الفكرة القائلة إن هذا البلد يتسع لشعب واحد فقط؛ نحن، أو هم.
ويبدو كأن أكثرية الإسرائيليين تشارك هذه الفكرة، حتى أولئك الذين يشعرون بعدم الارتياح وهم جالسون فى مقاعدهم أمام مشاهد التهجير، التى بالكاد تُذكَر أصلا فى وسائل الإعلام الإسرائيلية.
وللعلم: بينما كنتم نائمين، كان هناك شعب يُجرَّد من وطنه، خطوةً بعد خطوة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك