في الأزمنة القديمة، كان الطفل إذا أظلم الليل يهرع إلى حضن أمه، وكانت القرى تعرف طريقها إلى الحكيم، وكانت الكلمة تخرج من قلب شيخ جالس تحت شجرة، فتستقر في القلوب كما يستقر المطر في الأرض العطشى.
أما اليوم، فقد تغير المشهد كله، لم يعد الليل مظلما، فالشاشات لا تنطفئ، غير أن العتمة الحقيقية باتت تسكن الأرواح، لم يعد الإنسان يفتقد المعلومة، وإنما يغرق فيها، ولم يعد يعاني من قلة الأصوات، إنما من كثرتها، وصار العالم كله يقيم داخل هاتف صغير، تتزاحم فيه الصور، وتتدافع الأفكار، وتتقاتل الروايات، حتى أصبح الإنسان يسمع كل شيء، ونادرا ما يسمع نفسه.
وفي قلب هذه الضوضاء الكبيرة، ينهض سؤال موجع: من يقود وعي هذا الجيل؟إن أزمة الإنسان المعاصر ليست في نقص المعرفة، وإنما في ضياع المعنى، فكم من شاب يحمل بين يديه مكتبة كاملة، لكنه لا يعرف إلى أين يمضي بروحه، وكم من فتاة تتابع العالم كله عبر شاشة صغيرة، بينما يتسع داخلها فراغ لا تملؤه آلاف المتابعات، لقد تغير العالم، غير أن حاجة الإنسان إلى الله لم تتغير، فالروح البشرية، مهما أرهقتها التكنولوجيا، تبقى متعطشة إلى الطمأنينة، باحثة عن اليقين، مشتاقة إلى من يأخذ بيدها نحو النور.
ومن هنا، كانت الدعوة إلى الله أعظم رسالة يحملها إنسان لإنسان، غير أن الدعوة لم تكن يوما ترديدا للنصوص، ولا استعراضا للمحفوظات، لكنها كانت دائما فعلا من أفعال الرحمة، فحين أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالبلاغ، لم يأمره أن يملأ الأسماع بالكلمات فحسب، وإنما أن يوقظ القلوب من غفلتها، وأن يداوي الأرواح من وحشتها، وأن يكون للناس بابا إلى الله، قال تعالى: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ».
والحكمة هي القدرة على فهم الإنسان قبل مخاطبته، والإصغاء إلى أسئلته قبل الإجابة عنها، والنفاذ إلى جراحه قبل تقديم النصيحة له، فالناس لا يحتاجون دائما إلى من يخبرهم بما هو صواب، بقدر حاجتهم إلى من يشعر بآلامهم، ويشاركهم قلقهم، ويمنحهم الأمل.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم داعية، لأنه كان أعظم إنسان، كان يسمع قبل أن يتكلم، ويرحم قبل أن يحاسب، ويحتضن قبل أن يعاتب، ولذلك أحبه الناس، لا لأن صوته كان الأعلى، وإنما لأن قلبه كان الأرحم، واليوم، لم يعد يكفي أن يحمل الداعية علما غزيرا إذا كان بعيدا عن الإنسان.
إن الداعية الذي يحتاجه هذا العصر هو ذاك الذي يقرأ القرآن بعين المتدبر، ويقرأ الواقع بعين البصير، ويقرأ الإنسان بعين الرحيم، داعية يعرف أن خلف كل سؤال قصة، وخلف كل تمرد جرحا، وخلف كثير من الشكوك قلبا يبحث عن اليقين.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الخطاب الديني أن يتحول إلى كلمات محفوظة لا تشعر بنبض الحياة، فالناس لا يريدون خطيبا يكرر عليهم ما يعرفونه، وإنما يريدون شاهدا على العصر يضيء لهم الطريق وسط هذا الضياع الكبير، شاهدا يدرك أن الشاب الذي يقضي ساعات طويلة على وسائل التواصل ليس عدوا للدين بالضرورة، وإنما قد يكون إنسانا يبحث عن ذاته في المكان الخطأ، وشاهدا يعلم أن كثيرا من الأسئلة الجريئة ليست تمردا على الله، بل بحثا صادقا عنه.
لذلك، فإن بناء الداعية في هذا الزمن لا يبدأ من المنبر، وإنما يبدأ من قلب يعرف الرحمة، وعقل يتقن التفكير، وروح تتربى على الصدق، وشخصية تدرك أن القدوة أبلغ من ألف خطبة، فقد يغفر الناس ضعف البيان، لكنهم لا يغفرون التناقض بين القول والعمل، ففي زمن الشاشات، أصبحت القدوة أكثر حضورا من الكلمات، لأن الناس لم تعد تسمع الداعية فقط، لكنها تراقب حياته كلها.
إن العالم يتغير بسرعة مذهلة، غير أن الحق لا يتغير، والتحدي الحقيقي ليس في تغيير الدين، وإنما في حسن تقديمه، ليس في تبديل الثوابت، وإنما في تجديد الوسائل، فالدعوة الحقيقية هي أن يبقى نور السماء ثابتا، بينما تتجدد النوافذ التي يدخل منها إلى القلوب.
وعندما ننجح في إعداد داعية يجمع بين نور الوحي، ووعي العصر، ورحمة الإنسان، فإننا لا نصنع خطيبا جديدا فحسب، وإنما نصنع حارسا للرسالة، ومصباحا للأرواح، وشاهدا على زمانه.
وعندها فقط، لا تبقى الدعوة صدى يتردد في الفراغ، وإنما تغدو نورا يمشي بين الناس، وتبقى رسالة السماء حية في لغة الحياة، ويظل نور الله ممتدا في الأرض، مهما ازدادت العتمة، لأن القلوب التي امتلأت بالله لا تنطفئ أبدا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك