من يجادل اليوم أن الجزائر “ولاّدة للأبطال”، حيث انبهر العالم بأسره، الجمعة، بانتشار فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يُؤرّخ مرة أخرى لحقيقة أن الجزائري لا يقيم وزنا لحياته عندما يتعلّق الأمر بالتضحية في سبيل البلاد أو لإنقاذ الآخرين، فألسنة اللهب التي أتت على إحدى الشقق بالطابق العاشر لعمارة متواجدة بحي الياسمين بشرق مدينة وهران، أضاءت على صفحة جديدة من بطولات الجزائريين، فبرغم حرارة اللهب وانبعاثات الدخان، غامر الشاب “بن كلفة ناصر” الملقب بـ”بيشو” بحياته، وتسلق عشرة طوابق، من أجل إنقاذ طفلين حاصرتهما النيران ونجح الشاب البطل في الوصول إليهما، وبعث فيهما الأمل في النجاة.
مشاهد الفيديوهات التي وثّقت عملية إنقاذ الطفلين، أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، التي راحت تحيي الشاب “بن كلفة ناصر” على موقفه البطولي الذي لا يقدر عليه إلا من تسري في عروقه روح الوطنية والشهامة والتضحية بالنفس.
“خطبت فتاة منذ 3 سنوات.
وحلمي دخول القفص الذهبي”“الشروق”، من جهتها، سارعت لمواكبة الحدث، ونقل تفاصيل هذه الملحمة البطولية، بانتقالها إلى بيت الشاب “بن كلفة ناصر” الذي فتح قلبه لها ليروي ما جرى في هذا اليوم المشهود، حيث قال: “وصلت إلى الطابق العاشر في اللحظة التي كادت فيها الطفلة أن ترمي نفسها من الأعلى”، وأضاف، أنه لحد ساعة، لم يستوعب كيف تمكن من تسلق كل تلك الطوابق، مضيفا أنه في صبيحة يوم الجمعة وتحديدا على الساعة 10: 30 كان جالسا رفقة أبناء حييه أمام عمارتهم يتبادلون أطراف الحديث، ليثير انتباههم دخول عدد من المركبات إلى المجمع السكني الذي يقع بجانبهم، الأمر الذي دفعه للتساؤل عما يجري هناك، ليخبره أحد السائقين بأن حريقا قد نشب بشقة في الطابق العاشر، ليتوجه رفقة أصدقائه إلى مكان الحادث، أين بقي يشاهد حجم الكارثة من بعيد قبل أن يدخل رفقاؤه إلى العمارة، ليبادر هو بغلق أنبوب الغاز بأسفل العمارة، قبل أن يشاهد الطفلين وهما ولد وبنت يصرخان من دون أن يتمكن أي أحد من إنقاذهما، ليقرر التضحية بنفسه، ولم يكن يدري بأنه سيدخل التاريخ بهذا الموقف، إذ راح يتسلق السياج الحديدي للطوابق العشرة الواحد تلو الآخر ليصل إلى الشرفة المتواجد فيها الشقيقين، وهناك راح الجيران يرمون عليه الماء ومنحوه بطانية مبللة وضعها عليهما ليمنع النار من الوصول إليهما، قبل أن يغلق باب الشرفة للحد من انتشار الدخان الذي كاد يفقده وعيه، والذي كاد يدفع بالطفلة إلى القفز من الطابق العاشر، وظلّ “بيشو” يحمي الطفلين إلى غاية وصول فرق الحماية المدنية التي أنقذتهم ونجحت في إخماد النيران.
وزير النقل يمنح نصر الدين وظيفة بمطار وهرانبعد نزول “بيشو”، أغمي عليه بمجرد دخوله إلى مسكنه، ولم يكن يعلم بأنه بات حديث العام والخاص على مواقع التواصل الاجتماعي من “فايس بوك”، “تيك توك” وغيرها، إذ راح جميع من تابع فيديوهات الإنقاذ عبر كل ولايات الوطن، وحتى في العالم بأسره، يحيونه ويفتخرون به وبشجاعته التي مكنته من إنقاذ أرواح أبرياء، ليستفيق على رنة هاتف لم يعرف رقمه إلا بعد أن ردّ على الاتصال، ليصاب بحالة من الدهشة ممزوجة بفرحة عارمة، بعد علمه أن المتصل أنه هو مدير مطار وهران وأبلغه بأنه سيبدأ العمل كحارس ابتداء من صبيحة يوم الأحد بأمر من وزير الداخلية والنقل “سعيد سعيود”، وبعدها تم إبلاغه بأنه سيستقبل من طرف والي ولاية وهران صبيحة اليوم نفسه لتكريمه على شجاعته وإنقاذه لحياة طفلين بريئين.
كما لم تفوّت جمعية “راديوز” تحت إشراف رئيسها قادة شافي الفرصة وتوجهت إلى مسكن الأخير الذي كان رفقة أبناء حيه، لمنحه هاتفا نقالا كون أنه لا يملكه أصلا نظرا لظروفه المعيشية المزرية، كما قدّمت لوالدته عمرة عرفانا لها على حسن تربية ابنها الذي أكد بأن أبطال الجزائر لا ينتهون ويولدون من الشدائد.
“حلمي الحصول على سكن لدخول القفص الذهبي”وفي ذات السياق، وجد المنقذ نصر الدين نفسه مرتاحا رفقة صحفي “الشروق”، ليبوح بأمنيته التي يأمل في تحقيقها، وهي دخوله القفص الذهبي رفقة خطيبته التي مرت أكثر من 3 سنوات على خطبتهما، إلا أن شبح البطالة الذي طارده قبل أن يقضى عليه وزير الداخلية بمنحه فرصة عمل، حال دون ذلك، وأضاف أنه يقيم رفقة 8 إخوة وأمهم في مسكن من 4 غرف، الأمر الذي لا يساعده على إتمام الزواج، وكله أمل اليوم، أن تنتهي معاناته، ويتحصل على شقة.
كما اغتنمت “الشروق” الفرصة لمعرفة حال الأم الحاجة “بن دادة فاطمة” التي لم تستفق من الصدمة، عندما رأت ابنها يتسلق العمارة ويعرض حياته للخطر، وأضافت أن أبناء الحي هم من أبلغوها بأن “بيشو” تسلق العمارة، لتخرج مسرعة من شقتها وتصعد الطوابق في لهفة على فلذة كبدها التي لم ترتح حتى عانقته قائلة: “يا ولدي الحمد لله لي سلّكت ذوك الوليدات، دعوة الخير ديتها من عند الجزائريين قبل ما تدّيها من عندي”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك