حكمةُ العامّة دواءٌ للقلوبفي أزقّةِ الحياةِ الضيّقةِ، وفي أسواقِ الناسِ الصاخبةِ، تخرج من ألسنةِ البسطاءِ كلمات، تحملُ في طيّاتِها سر السلامِ النفسيِّ.
إنها حكمةُ العامّةِ، تلك الجواهرُ المكنونةُ في صدفِ العاميّةِ، تداوي القلوبَ قبل الأبدانِ، وتُصلحُ ما بين الناسِ قبل أن تُصلحَ ما بينهم وبين أنفسهم.
ومن هذه الأقوال الشائعة: «كبّر دماغك» وتعني في الفصحى: «أوسِعْ صدرَك للناسِ، ولا تُضيّقْهُ على نفسِك».
قال اللهُ تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
فمن وسّع صدرَه وعقله اتّسعَتْ له الدنيا، ومن ضيّقَهما ضاقتْ عليه وهي رحبة.
أي: «اطوِ صفحةَ الألمِ، ولا تعشْ في ظلِّ الذكرى المؤذية».
قال أميرُ المؤمنينَ علي رضي الله عنه: «مَنْ طالَ همُّهُ ضاقَ صدرُه».
فالنسيانُ هنا ليس جحودًا، بل رحمة من اللهِ الذي جعل في الذاكرةِ بابًا يُقفلُ على الجرحِ حتى يلتئم.
أي: «جدّدْ حياتَك، واكتبْ سطرًا جديدًا بعد كل سقوط».
قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيف».
فالمؤمنُ لا يبكي على اللبنِ المسكوبِ، بل يغسلُ الإناءَ ويملأهُ من جديد.
أي: «ألقِ حملَ الغدِ عن كاهلِك، فالرزّاقُ هو الله».
يقول سبحانه وتعالى:﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣].
وَلَا تَحْمِلَنَّ هَمَّ يَوْمِكَ الذي مَضَىوَلَا هَمَّ يَوْمٍ سَوْفَ يَأْتِي فَيَشْغَلُكْفحارب همَّك بتفويضِ أمرك إلى من لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم.
ويقولون: «لا تكبّر الموضوع».
وفي ذلك قال الإمامُ علي رحمه الله: كما جاء في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: «أكبرُ العقلِ التغافل».
فكم من حربٍ اشتعلت من شرارةٍ صغيرةٍ لأن أحدهم نفخ فيها حتى صارتْ لهيبًا.
والزمنُ سيفُ اللهِ المسلول على كل جرحٍ لا يُداوى بالكلام، وفي ذلك يقول المولى عز وجل:﴿فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾فاترك للزمنِ ما عجزت عنه يداك، فإنه يُنسي ويُعيدُ ترتيبَ أقدارك بما يرضيك.
دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُوَطِبْ نَفْسًا إِذَا حَكَمَ القَضَاءُوَلَا تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِيفَمَا لِحَوَادِثِ الدُّهُورِ بَقَاءُأي: «دعه يمضي كما مضى الزمنُ بالأحزانِ القديمة».
أي: «لا تخشَ شيئًا، فالقضاءُ والقدرُ بيدِ الكريمِ الرحيم».
يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وهي تعني عهدًا يُكتبُ باللسانِ، أي: : «حاضرٌ يا طالبَ الخير، أبشرْ بقضاء حاجتك، وفرحتي بطلبك أعظمُ من الطلبِ نفسِه».
قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ…»ويقولون: «لا تَشْغل مخّك».
أي: «أرِحْ عقلَك من التفكيرِ المُضني، وألقِ الأمرَ على الله».
دَعِ الْمَقَادِيرَ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَاوَلَا تَبِتَئِسْ بِمَا يَأْتِي بِهِ الزَّمَانُأي: «اطمئنّ، فالأمرُ انتهى لصالحِك، وما طلبته قد تمَّ على أكملِ وجه».
ويقولون: «أبشِر».
كلمةٌ واحدةٌ تُلقى في القلبِ فتُزهرُ فيه الأمل، فكلما قلتَ لأخيك «أبشِر»، فقد أدَّيتَ أمرًا ربانيًا، وسنةً نبوية، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعثَ أحدَنا في حاجةٍ قال:«بَشِّروا ولا تُنَفِّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا»(البخاري ٣٠٣٨، مسلم ١٧٣٤)«أَبْشِرُوا بِالْخَيْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ»ويقولون: «اللي يبيعك بيعه».
و«واللي نساك انساه».
أي: لا تُبقِ في قلبك مكانًا لمن ألقاك من حسابِه، وليس في ذلك دعوة للجفاء، بل هي قاعدة لصون الذات وحماية القلب من الخذلان المتكرر، فمن باعك مرة سيفعلها مرارًا وتكرارًا، فلا تقهر نفسك عليه، وفي ذلك يقول الشاعر:إِذَا المَرءُ لَا يَرْعَاكَ إِلَّا تَكَلُّفَاًفَدَعْهُ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيْهِ التَأَسُّفَاهذه الكلماتُ التي نردّدها كل يومٍ بلا اكتراثٍ، هي في الحقيقةِ مدرسةُ في الحياةِ، فإذا أردتَ أن تعيش مطمئنًا، فخذْ من كتابِ اللهِ وسنّةِ رسولهِ نورًا، ومن حكمةِ العامّةِ دواء،

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك