لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي تقتصر على تطوير النماذج والتطبيقات، بل بدأت تُلقي بظلالها على سوق الإلكترونيات الاستهلاكية، بعدما أدى التوسّع الكبير في بناء مراكز البيانات إلى رفع الطلب على شرائح الذاكرة والتخزين.
ودفع هذا التوسع شركات تصنيع الحواسيب والهواتف إلى مواجهة ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج.
وتجسد شركة" أبل" هذا التحول بوضوح، إذ رفعت أخيرًا أسعار عدد من أجهزة" آيباد" و" ماك بوك".
وكشفت صحيفة" فايننشال تايمز" الأميركية أنّ" أبل" تضغط على إدارة الرئيس دونالد ترمب للحصول على مُوافقة لشراء شرائح ذاكرة من شركة" تشانغ شين ميموري تكنولوجيز" (سي إكس إم تي) الصينية.
والشركة الصينية مدرجة على قائمة وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون) للشركات ذات الصلات العسكرية.
وبحسب وكالة رويترز، أقرّت" أبل" بأنّها لم تعد قادرة على امتصاص الارتفاع الحاد في أسعار شرائح الذاكرة والتخزين، والذي نتج عن التوسع المتسارع لشركات الذكاء الاصطناعي في إنشاء مراكز البيانات العملاقة.
وتكشف أزمة" أبل" أن تداعيات سباق الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على الشركات الناشئة أو الأجهزة منخفضة التكلفة، بل امتدت إلى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، رغم ما تتمتع به من قوة تفاوضية مع الموردين.
ونقلت رويترز عن الشركة قولها إنّها لم تشهد من قبل ارتفاعًا بهذه السرعة والحجم في تكلفة أحد المُكوّنات الأساسية لأجهزتها.
الذكاء الاصطناعي يغيّر سوق الرقائقويرتبط هذا الارتفاع بإعادة ترتيب أولويات شركات تصنيع شرائح الذاكرة، مثل" مايكرون" و" سامسونغ" و" إس كيه هاينكس"، التي باتت تُخصّص جزءًا أكبر من إنتاجها لتلبية احتياجات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، على حساب الشرائح المُستخدمة في الهواتف والحواسيب والأجهزة اللوحية.
وتحتاج شركات مثل" إنفيديا" ومزودو خدمات الحوسبة السحابية إلى كميات ضخمة من ذاكرة" دي آر إيه إم" و" إن إيه إن دي" لتشغيل الخوادم والمعالجات المتقدمة، كما أنها قادرة على توقيع عقود طويلة الأجل ودفع أسعار أعلى، ما يمنحها أولوية لدى المصنعين.
وترى شركة" آي دي سي" لأبحاث السوق أن ما يشهده القطاع يتجاوز دورة تقليدية من نقص المعروض وارتفاع الأسعار، إذ يعكس تحولًا هيكليًا في توزيع الإنتاج، مع توجه المصانع إلى تصنيع الشرائح الأعلى ربحية المخصصة لمراكز البيانات، على حساب الذاكرة التقليدية المستخدمة في الأجهزة الاستهلاكية.
وتؤكد بيانات شركة" ترند فورس" التايوانية هذا الاتجاه، إذ ارتفعت أسعار شرائح" دي آر إيه إم" المستخدمة في معظم الأجهزة الإلكترونية بنحو 98٪ خلال الربع الأول من 2026، مع توقعات بزيادة إضافية تراوح بين 58٪ و63٪ في الربع الثاني.
كما يُتوقع أن ترتفع أسعار شرائح" إن إيه إن دي فلاش" المستخدمة في التخزين بنسبة تتراوح بين 70٪ و75٪ خلال الفترة نفسها.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على ارتفاع تكاليف التصنيع، بل تمتد إلى المستهلكين، إذ تجد شركات الهواتف والحواسيب نفسها أمام خيارات محدودة، تشمل رفع أسعار الأجهزة، أو تقليص سعات الذاكرة والتخزين، أو القبول بتراجع هوامش الأرباح.
وتحذر" آي دي سي" من أن الفئات الاقتصادية من الهواتف والحواسيب ستكون الأكثر تأثرًا، نظرًا إلى محدودية هوامش الربح فيها، ما يجعلها أقل قدرة على استيعاب الزيادات الكبيرة في تكلفة المكونات.
في المقابل، تحقق شركات تصنيع الذاكرة مكاسب قياسية.
فقد أعلنت" مايكرون" أن إيراداتها من قطاع مراكز البيانات تجاوزت 25 مليار دولار خلال الربع المالي الثالث، مؤكدة أن الطلب على شرائح" دي آر إيه إم" و" إن إيه إن دي" لا يزال يفوق المعروض بكثير.
كما كشفت عن توقيع 16 اتفاقًا استراتيجيًا مع عملائها، بقيمة التزامات تصل إلى 22 مليار دولار، لضمان الإمدادات لسنوات مقبلة.
ولا تبدو مؤشرات الانفراج قريبة، إذ تشير مجلة" آي إي إي إي سبكتروم" إلى أن إنشاء مصانع جديدة لإنتاج الرقائق يحتاج إلى سنوات، ما يعني أن السوق قد لا يشهد تحسنًا ملموسًا قبل 2028.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك