في كل مرة يكون علينا فيها أن نتابع وقائع عملية اقتراع تجري أمامنا، نجد أنفسنا مدعوين إلى أن نذكر بالتوازي عبارة شهيرة، كان ونستون تشرشل، رئيس الحكومة البريطانية في زمن الحرب العالمية الثانية، قد أطلقها، ثم صارت تتردد من بعده، وسوف تظل.
كان تشرشل قد قال ما معناه، إن الديمقراطية ليست نظام الحكم الأمثل في حكم الشعوب عموماً، ولكنها النظام الأفضل الذي توصل إليه فلاسفة الحكم في العالم.
وكان المعنى في عبارته، أن في الديمقراطية كنظام حكم عيوباً لا شك، بل ربما تكون عيوبها كثيرة، ولكن المشكلة أمام شتى الحكومات، أنه لا يوجد نظام حكم آخر أفضل من الديمقراطية حتى اللحظة، ومن الوارد طبعاً أن يصل العالم في المستقبل إلى النظام الأفضل الآخر، الذي لم يصل إليه بعد، وبالتالي، فإلى أن يصل إلى ذلك، سيظل الرهان على الديمقراطية، باعتبارها النظام الأفضل إلى حينه.
ولم يكن لرجل مثل تشرشل أن يخلص إلى هذا المعنى، لولا أنه كان يجمع في حياته بين السياسة والأدب معاً، بل إنه عندما فاز بجائزة نوبل، لم يحصل عليها كسياسي، ولكنه حازها في الأدب، وكان ذلك مما يدل على مدى ما كان يملكه من قدرات أدبية، فضلاً عن قدراته السياسية، التي ذاع صيته بها، واشتهر بين الناس.
ولا تزال التجربة الديمقراطية في بلاده توصف بأنها أم الديمقراطيات، وهي لا توصف بذلك، إلا لأن وراءها تاريخاً ممتداً من الممارسة على الأرض، فالديمقراطية قد تكون نظريات مختلفة، وقد تكون رؤى متنوعة، وربما متصادمة، ولكنها قبل هذا كله وبعده، ممارسة عملية على الأرض في حياة الشعوب والأمم.
تشهد التجربة الإنجليزية صخباً واسعاً هذه الأيام، بعد أن بادر السير كير ستارمر رئيس الحكومة، إلى الاستقالة من منصبه.
ورغم أن الرجل له عامان بالكاد في 10 داونينغ ستريت، حيث يقع مقر الحكومة الإنجليزية في عاصمة الضباب، إلا أنه وجد نفسه مع حزب العمال الذي يحكم باسمه وتحت مظلته، طرفاً مباشراً في صخب سياسي واسع، يدعو إلى مجيء رئيس حكومة جديد، تحت مظلة حزب العمال نفسها، وقد جرى ترشيح اسم آندي بيرنهام، عمدة مانشستر، الذي فاز للتو في الانتخابات التكميلية، ليكون هو رئيس الحكومة الجديد، الذي سيحل في مكان كير ستارمر.
وإذا ما مضى الصخب الحاصل إلى غايته، وجاء بيرنهام خلفاً لستارمر بالفعل، فإن رئيس الحكومة الجديد، سيكون هو السابع في خلال عقد واحد من الزمان، وهذا في حد ذاته قد يؤخذ على أنه نوع من عدم الاستقرار السياسي، ولكنه يؤخذ، في المقابل، على أنه درجة كبيرة من الحيوية السياسية، التي لا تجد حرجاً في تغيير رئيسة حكومة لم تمكث في مقر الحكومة أكثر من شهرين.
إننا لا نزال نذكر السيدة ليز تراس، التي تولت رئاسة الحكومة في أول سبتمبر 2022، وما كادت تدخل 10 داونينغ ستريت، وتتهيأ للاستقرار فيه، حتى كانت قد وجدت أنها مدعوة للمغادرة في الشهر التالي، فلم تمكث في مقعدها سوى خمسين يوماً، لا تزيد.
فإذا ما عقدنا مقارنة بينها وبين مارغريت تاتشر، مثلاً، اكتشفنا أن تاتشر بقيت في الحكم 11 عاماً كاملة، ومعها بضعة أشهر.
ولماذا لا تبقى، وقد ظلت توصف بأنها المرأة الحديدية؟
تبحث أنت عن سبب بقاء رئيس أو رئيسة حكومة هناك، فتجد أنه سبب واحد، بل وحيد، هو رضا المواطن الإنجليزي عن سياساته المتبعة، والعكس صحيح طبعاً على طول الخط.
فلا شيء يقال عن سبب الدعوات التي تصاعدت لاستقالة ستارمر، إلا أن الخدمات العامة التي يحصل عليها المواطن في ظل حكومته، وبالذات الخدمة الصحية، ليست هي الخدمة التي يتعين له أن يحصل عليها.
قد تكون قضايا أخرى تنافس قضية الخدمات العامة في قائمة أسباب الدعوة للاستقالة، كقضية الهجرة أو المهاجرين غير الشرعيين، على سبيل المثال، ولكنك ستجدها في مرتبة متأخرة في القائمة، وستجد قضية رضا المواطن متقدمة للغاية، وستجد أن القاعدة هي أن على المسؤول غير القادر على بذل خدمة أفضل للمواطن، أن يخلي مكانه لمن هو أقدر منه على ذلك.
تمتلئ التجربة الديمقراطية البريطانية بالدروس، ولكن الدرس الأهم فيها، أن رضا المواطن إذا غاب، كان على رئيس الحكومة أن يغيب معه، فما أعظمه من درس في حكم الشعوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك