بدى النقاشفي بادئ الأمر عاديًا.
فمحبّو الساحرة المستديرة يميلون دائمًا إلى مقارنة العظماء.
لكن ما حدث مع ميسي ورونالدو تجاوز حدود الجدل الكروي المعتاد.
شيئا فشيئا، تحوّلت المنافسة بينهما إلى منتج عالمي ضخم، وإلى سوق مفتوحة تدر مليارات الدولارات، حتى بدا أحيانا أن كرة القدم نفسها لم تعد سوى خلفية لمعركة استثمارية لا تنتهي، سلاحها الأرقام والإحصاءات.
معادلة صنعتها بالأساس الشركات الراعية ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ليصبح السؤال في حد ذاته سلعة ربحية وآلة تسويقية في آن، ترتفع أو تهوى أسهمها مع كل جائزة أو هدف فردي.
كم هدفا سجل رونالدو وميسي؟ كم تمريرة حاسمة صنعا في المباراة والجولة والموسم؟ من يتقدم في سباق الكرات الذهبية؟ ومن يملك الرقم القياسي التالي؟ كل هذا الجدل يحدث بعيدا عن مقارنة فنية عادلة بين النجمين كظاهرتين كرويتين منفصلتين.
الأرجنتيني هو أقرب إلى الفنان الذي يرى ما لا يراه الآخرون، لاعب يصنع اللعب بقدر ما يسجل الأهداف، ويعيد تشكيل المباراة بلمسة واحدة أو تمريرة لا تخطر على بال المدافعين.
أما البرتغاليفكان مشروعا رياضيا فريدا، جسد قدرة الإنسان على إعادة بناء نفسه باستمرار، محوّلا موهبته إلى آلة تهديفية لا تتوقف عن التطور.
ميسي كان ابن مدرسة كروية نشأ داخلها وتطور معها حتى أصبح رمزها الأكبر.
أما رونالدو فكان رحّالة وقائدا استثنائيا فرض نفسه داخل بيئات تكتيكية وثقافية مختلفة، من إنجلترا إلى إسبانيا ثم إيطاليا فالسعودية.
خلال مسيرتهما، بدا ميسي في كثير من الأحيان لاعبا يفضل الحديث بقدميه أكثر من تصريحاته، بينما قدم رونالدو نفسه كنموذج عالمي للانضباط البدني والثقة بالنفس وإدارة الصورة الشخصية.
ولعل اللقطة التي أبعد فيها قنينة مشروب غازي خلال بطولة أوروبا 2020 كانت من أكثر اللحظات دلالة على شخصه.
ولا أحد يعرف عمّا إذا كانت هذان الصورتان ردّ كل منهما على هذه الآلة الضخمة أم هو جانب من فردانية خارج وداخل الملعب، ولعل الخيار الثاني الأكثر تماشيا مع أسلوب كلّ منهما، على الأقل على مستوى اللعب.
المنتخب.
الحفاظ على الإرث مقابل صناعتههنا يزداد التفاوت وضوحا.
ميسي، بقميص الأرجنتين، عليه التعامل مع إرثٍ تاريخي ضخم، وهو مطالب على الأقل بالفوز، غير ذلك فهي" خيانة" لتاريخ حافل وسجل الوقوف على منصات التتويج منذ عقود طويلة.
واعتبر مناصرون لميسي أن الجدل قد حسم بمجرد أن رفع كأس العالم في قطر، فبالنسبة لهم فإن الأمر بات محسوما معلنين تفوق الأرجنتيني المطلق.
في المقابل، نجد أن مهمة رونالد مختلفة كليا.
فهو غير مطالب بالحفاظ على الإرث بل بالأحرى بصناعته.
وللتذكير فإن منتخب البرتغال، لا يزال يشق طريقه القاري وأكبر لقب حصل عليه كانت كأس أوروبا عام 2016، وقبل ذلك بـ 12 عاما تلقى ضربة قاسمة بخسارته في نهائي 2004 أمام اليونان على أرضه وبين جماهيره.
فهل بفشل رونالدو ورفاقه في النسخة الحالية من نهائيات كأس العالم هو" دليل قاطع" على أفضلية ميسي؟تاريخ" الفلاسفة" أكبر برهانقطعا لا! لأن لا الأرقام ولا الألقاب قادرة على حسم الجدل بشأن مقارنة لا تستقيم أصلا.
يسود إجماع بين محللي وخبراء كرة القدم أن منتخب البرازيل في مونديال 1982 كان واحدا من أعظم المنتخبات التي عرفتها اللعبة على الإطلاق.
ومع ذلك لم ينجح ذلك الفريق الذي أُطلق عليه لقب منتخب" الفلاسفة"، والذي ضم زيكو وسقراطيس وفالكاو وتونينيو سيريزو وإيدر، بالتتويج بكأس العالم.
لكن أداءه الهجومي الساحر لا زال يدرس إلى اليوم، حتى إن ذاك الجيل الذهبي بقي خالدا في ذاكرة الجماهير كأعظم منتخب أبهر عشاق الساحرة المستديرة بكرة قدم من عالم آخر.
غاب اللقب نعم، إلا أن الذاكرة الجماعية منحتهم الخلود تأكيدا على أن الجمال والمتعة والتأثير قيم سامية لا تقاس دائما بوجع الأرقام وجفاف الألقاب.
في عصر باتت تحكمه لغة الأرقام، تبدو محاولة اختصار معشوقة الجماهير في جداول البيانات مجرد ركض خلف السراب.
فبينما ينشغل خبلراء الإحصاء بجمع الأهداف وتكديس الأرقام، يمر لاعب بلمسة واحدة يختصر فيها جاذبية اللعبة، يترك خلفه لحظة عبقرية، أو إحساسا دافئا بالجمال يتسلل إلى الذاكرة ويستقر فيها، عصيا على أية آلة حاسبة.
بعد كل تلك السنوات من الحروب الرقمية، يكشف المشهد عن حقيقة غائبة، لعل الخطيئة الكبرى لم تكن في الانحياز لأحدهما، بل في إصرارنا على حشر تلك العظمة في خانة فائز واحد.
لم يكن ميسي بحاجة إلى إسقاط رونالدو ليرتقي على منصة الأساطير، ولا كان رونالدوبحاجة إلى محو ميسي ليتسيّد التاريخ.
لقد وقفنا لسنوات أمام دربين متوازيين نحو المجد، مشروعين تخرجت من رحمها مدرستان متناقضتان في فهم كرة القدم، ليمنحا اللعبة حقبة استثنائية، كان أعظم ما فيها أن السردية اتسعت للاثنين معا في الزمان نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك