الخرطوم 28 يونيو 2026- تزداد يوماً تلو الآخر وسائل الضغط على أطراف النزاع والجهات الداعمة للحرب في السودان بفرض عقوبات أميركية وأخرى أوروبية تستهدف جماعات ومجموعات مرتبطة بالحرب.
وفرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية، الجمعة الماضية، عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات مرتبطة بشبكات للمشتريات والتجنيد تواصل تغذية الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وسبقت هذه الخطوة خطوات مشابهة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة طالت أفراداً ومؤسسات تغذي الصراع في السودان، لكن دون أن تحصد العقوبات نتائج ملموسة على وقف الحرب التي حولت السودان لواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
ومع لجوء القوى الدولية لإشهار سلاح العقوبات في مسعى لوقف القتال وممارسة الضغط، تقف ماهية تلك العقوبات والقيود في تقديم حل.
ويدافع دبلوماسيون أمريكيون تحدثوا لـ”سودان تربيون” في أوقات سابقة عن مبدأ الضغط على أطراف النزاع في السودان، واتخاذ خطوات متلاحقة ومحسوبة لفرض العقوبات على الأطراف المتورطة والرافضة للمسار السلمي والتفاوض.
ولكن، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من استخدام هذا السلاح، يظل السؤال الجوهري قائماً: هل نجحت العقوبات في تجفيف منابع تمويل الحرب، أم أنها مجرد إجراءات رمزية تجاوزتها شبكات اقتصاد الظل وممولو الحرب؟ويعتقد خبراء أن اصرار القاة العسكريين في الجيش والدعم السريع على تحقيق انتصارات ميدانية والبعد عن طاولات التفاوض يمثل العامل الأقوى في استمرار الحرب دون التأثر بسيوف العقوبات الدولية.
ويرى خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، في موقف البرهان الأخير برفض الورقة الأميركية للهدنة الإنسانية الذي تحدث عنه مستشار ترامب، دليلاً على الطرف المعرقل لوقف نزيف الدماء، مشيرًا في منشور على فيسبوك إلى أن العجز عن قبول خطة وقف إطلاق النار يعكس غياب الإرادة للسلام لدى البرهان.
وكانت وزارة الخارجية السودانية نفت، أمس السبت، صحة ما أورده مسعد بولس -كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية- بشأن رفض مجلس السيادة الانتقالي ورقة أميركية تتعلق بجهود إنهاء الحرب في البلاد.
وقالت الوزارة في بيان إن حديث بولس أمام مجلس الأمن الدولي، الجمعة، عن رفض مجلس السيادة للورقة “غير دقيق” ولا يعكس حقيقة المواقف التي ظلت تتبناها حكومة السودان ومؤسساتها المختلفة، بما في ذلك مجلس السيادة الانتقالي.
وأضافت أن الحكومة السودانية تعاملت بإيجابية ومسؤولية مع المبادرات والمقترحات الرامية إلى إنهاء الحرب.
وتتبنى الحكومة السودانية رؤية لحماية المدنيين وتهيئة الظروف المناسبة لوقف الحرب، قدمتها لمجلس الأمن في ديسمبر 2025 لكنها لا تجد الاعتراف من تحالف “تأسيس” بقيادة الدعم السريع.
يعتقد المحلل السياسي الكيني والمتخصص في شؤون القرن الإفريقي، جوزيف أوتينو، أن العقوبات الغربية تواجه تحدياً هيكلياً يرتبط بطبيعة “اقتصاد الحرب” الحديث في إفريقيا.
ويعتقد أوتينو في حديث مع “سودان تربيون” أن العقوبات الأمريكية والأوروبية تصطدم بحقيقة أن شبكات التمويل والتسليح الخاصة بأطراف الصراع في السودان قامت بهندسة نظام مالي موازٍ ومعقد قبل الحرب بسنوات.
ورأى أن تلك الشبكات تعتمد على ملاذات آمنة خارج النظام المصرفي الغربي التقليدي، وتتحرك عبر شركات واجهة في دول إقليمية ودولية لا تلتزم حرفياً بالقرارات الأمريكية.
وأفاد بأن تجميد الأصول وحظر السفر المفروض على بعض القادة العسكريين والشركات التابعة لهم له أثر معنوي وسياسي كبير، لكنه على الصعيد العملي لا يمنع تدفق السلاح أو الوقود.
وضرب الخبير الكيني مثالاً بالذهب السوداني، الذي يظل في اعتقاده السلعة الأكثر سيولة، ويتم تهريبه وبيعه نقداً أو بمقايضة مباشرة خارج الرقابة الدولية، مما يجعل العقوبات تبدو في كثير من الأحيان وكأنها بلا أسنان حقيقية لردع المقاتلين.
من جانبه، يتجه المحلل السياسي السوداني، محمد إدريس، في حديثه لـ”سودان تربيون” إلى قراءة أكثر عمقاً حول أثر هذه القرارات على بنية الصراع الداخلي وتأثيرها على المواطن.
ويقول إدريس، إن الترحيب الحقوقي والمحلي بالعقوبات الأخيرة مفهوم، لأنه يكسر حاجز الحصانة ويبعث برسالة مفادها أن هناك مراقبة دولية للانتهاكات.
لكنه يعود ويذكر بالواقع الاقتصادي: “لأنه بعد أكثر من 37 شهراً من القتال، تكيفت أطراف الحرب مع هذه القيود عبر تعميق اقتصاد الظل، والسيطرة على الموارد المحلية المتبقية، والاعتماد على قنوات بديلة غير رسمية.
”ويشير إدريس إلى نقطة جوهرية تتصل بآلية التنفيذ، وهي أن المشكلة الأساسية ليست في صدور قرار العقوبات، بل في آلية تتبعه وإغلاق الثغرات.
ويشدد على أنه طالما أن المجتمع الدولي يكتفي بإدارة الأزمة وإصدار الإدانات دون وجود آلية مراقبة صارمة على الحدود البرية والبحرية للسودان، ودون الضغط الحقيقي على الدول الإقليمية التي تسهل تدفق الدعم اللوجستي، فإن هذه العقوبات ستظل تدابير محدودة الأثر لن تقود إلى وقف فوري للأعمال العدائية.
وتعتقد عضو لجان المقاومة والناشطة في العمل المدني إلهام محمد السر، أن سلاح العقوبات رغم أهميته القانونية لكنه يفتقر إلى أدوات فعالة تجبر أطراف القتال على وقفه.
وتقول إلهام لـ”سودان تربيون” إن ذلك يستدعي تنسيقاً دولياً محكماً وصارماً وحازماً وحاسماً لكل الخلافات بين الشركاء والمواقف التي يتبناها الاتحاد الأفريقي المؤيدة للحكومة التي يقودها البرهان من خلف الستار -وفق رأيها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك