تنفيذ مجموعة من أضخم مشروعات معالجة وإعادة استخدام المياه على مستوى العالملم يكن الطريق نحو تحقيق الأمن الغذائي في مصر مفروشًا بالورود، فالدولة التي تواجه تحديات متشابكة تتعلق بالنمو السكاني المتسارع، ومحدودية الموارد المائية، والتغيرات المناخية العالمية، وجدت نفسها أمام ضرورة تبني رؤية شاملة تضمن توفير الغذاء لملايين المواطنين، وتؤمن احتياجات الأجيال المقبلة.
ومن هنا، أصبح القطاع الزراعي أحد أهم الملفات الاستراتيجية التي أولتها الدولة اهتمامًا استثنائيًا خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية، باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي والتنمية الاقتصادية المستدامة.
ومع الاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، تكشف الأرقام والحقائق حجم التحول الذي شهده القطاع الزراعي في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث انتقلت مصر من مرحلة إدارة التحديات إلى مرحلة صناعة الفرص، عبر تنفيذ مشروعات قومية عملاقة واستثمارات غير مسبوقة استهدفت زيادة الرقعة الزراعية، ورفع معدلات الإنتاج، وتعزيز الصادرات، وتطوير الثروة الحيوانية والداجنة، فضلاً عن إحداث طفرة في مجالات التحول الرقمي والبحث العلمي الزراعي.
تطوير الريف في مقدمة أولوياتهاوأكد علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، أن الدولة المصرية وضعت ملف الأمن الغذائي وتطوير الريف فى مقدمة أولوياتها، من خلال تبني مسار إصلاحي وتنفيذي متكامل يجمع بين التوسع الأفقي في استصلاح الأراضي والتوسع الرأسي القائم على التكنولوجيا والبحث العلمي، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتى وتقليص الفجوة الاستيرادية وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة المتغيرات العالمية.
مشروعات قومية عملاقة تغير وجه الزراعة المصريةوشهدت السنوات الماضية تنفيذ أكبر حزمة من مشروعات استصلاح الأراضي في تاريخ مصر الحديث، حيث أصبحت مشروعات التوسع الأفقي أحد أبرز ملامح النهضة الزراعية الحالية، وفي مقدمة هذه المشروعات يأتي مشروع الدلتا الجديدة، الذي يمثل أحد أكبر المشروعات الزراعية في الشرق الأوسط بمساحة تصل إلى 2.
2 مليون فدان، فضلًا عن مشروع توشكى الخير بمساحة 1.
1 مليون فدان، والذي أعاد الحياة إلى مناطق واسعة من جنوب الوادي بعد عقود من التحديات.
كما شملت جهود التوسع الزراعي مشروع تنمية شمال ووسط سيناء بمساحة 456 ألف فدان، ومشروع تنمية الريف المصري الجديد بمساحة 1.
5 مليون فدان، إلى جانب مشروعات جنوب الصعيد والوادي الجديد التي تمتد على مساحة تقترب من 650 ألف فدان، لتضيف هذه المشروعات مجتمعة ملايين الأفدنة الجديدة إلى الرقعة الزراعية المصرية.
ولم يكن التوسع في الأراضي الزراعية ممكنًا دون توفير مصادر مائية مستدامة، وهو ما دفع الدولة إلى تنفيذ مجموعة من أضخم مشروعات معالجة وإعادة استخدام المياه على مستوى العالم، فقد تم إنشاء محطة الحمام بطاقة 7.
5 مليون متر مكعب يوميًا، ومحطة بحر البقر بطاقة 5.
6 مليون متر مكعب يوميًا، ومحطة المحسمة بطاقة 1.
3 مليون متر مكعب يوميًا، إلى جانب التوسع في مشروعات تحلية مياه البحر وتطبيق نظم الري الحديث لترشيد استهلاك المياه وتعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه.
تنمية سيناء والمناطق الحدودية.
استثمار في الإنسان والأرضوفي إطار رؤية الدولة لتحقيق تنمية متكاملة في المناطق الحدودية، شهدت سيناء تنفيذ 18 تجمعًا تنمويًا زراعيًا تضم 11 تجمعًا في شمال سيناء و7 تجمعات في جنوبها، استفادت منها أكثر من 2100 أسرة حصلت كل منها على منزل وخمسة أفدنة زراعية، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في تلك المناطق.
كما أولت الدولة اهتمامًا خاصًا بالمجتمعات البدوية من خلال حفر الآبار وإنشاء محطات الطاقة الشمسية وتنفيذ مشروعات مكافحة التصحر، فضلًا عن توفير التقاوي المدعمة للمحاصيل الاستراتيجية وتوزيع شتلات الزيتون والتين والنخيل، بما يسهم في تحسين مستوى المعيشة وخلق مجتمعات إنتاجية مستقرة.
وفي الوقت ذاته، شاركت وزارة الزراعة بفاعلية في المبادرة الرئاسية" حياة كريمة"، حيث تم إنشاء 332 مركز خدمات زراعية مجمعة في 20 محافظة تضم وحدات بيطرية ومراكز إرشادية وجمعيات زراعية ومراكز لتجميع الألبان، بتكلفة تجاوزت ملياري جنيه، بهدف تحسين الخدمات المقدمة للمزارعين ورفع كفاءة القطاع الزراعي في الريف المصري.
طفرة في إنتاج القمح والمحاصيل الاستراتيجيةوعلى مستوى التوسع الرأسي، ركزت الدولة على زيادة إنتاجية الفدان وتحسين كفاءة المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح الذي يمثل حجر الأساس في منظومة الأمن الغذائي المصري.
وقد ساهمت سياسات الزراعة التعاقدية في تشجيع المزارعين على التوسع في زراعة القمح من خلال تحديد أسعار ضمان مجزية قبل بدء الموسم الزراعي، الأمر الذي انعكس على زيادة المساحات المنزرعة لتصل إلى نحو 3.
76 ملايين فدان خلال الموسم الحالي، بزيادة تقترب من 600 ألف فدان مقارنة بالموسم السابق.
وأثمرت هذه الجهود عن ارتفاع إنتاج القمح المحلي إلى أكثر من 10 ملايين طن، بزيادة بلغت نحو 6.
5% عن العام الماضي، ما ساهم في خفض الاعتماد على الاستيراد وتقليل الضغط على العملة الأجنبية.
كما شهدت إنتاجية الفدان تحسنًا ملحوظًا، حيث تراوح المتوسط العام بين 18 و20 أردبًا للفدان، بينما سجلت بعض الحقول التي طبقت أحدث الممارسات الزراعية ما يصل إلى 28 أردبًا للفدان، وهو ما يعكس نجاح برامج الإرشاد الزراعي والبحث العلمي في تحسين الإنتاجية.
البحث العلمي يقود التنمية الزراعيةولعب مركز البحوث الزراعية دورًا محوريًا في تحقيق هذه النتائج، حيث نجح خلال السنوات الثلاث الأخيرة في استنباط نحو 60 صنفًا وهجينًا جديدًا من المحاصيل الاستراتيجية، شملت القمح والذرة والأرز والمحاصيل الزيتية والأعلاف.
ومن أبرز أصناف القمح التي تم تطويرها أصناف" مصر 3" و" مصر 4" عالية الإنتاجية، و" جيزة 171" المقاوم لأمراض الصدأ، إلى جانب أصناف أخرى موفرة للمياه أو مبكرة النضج، بما يساعد على مواجهة التحديات المناخية وتحقيق أعلى عائد اقتصادي للمزارعين.
كما توسعت الدولة في تطبيق التقنيات الزراعية الحديثة، مثل الزراعة على المصاطب والتسوية بالليزر والحرث تحت التربة، وهي ممارسات ساهمت في زيادة الإنتاجية بنحو 20%، فضلًا عن تنفيذ برامج لتأهيل الأراضي وتطوير الري الحقلي على مئات الآلاف من الأفدنة.
التحول الرقمي.
الزراعة تدخل عصر البياناتوفي إطار جهود الحوكمة والتحول الرقمي، نجحت وزارة الزراعة في إطلاق منظومة" كارت الفلاح الذكي"، التي تمثل نقلة نوعية في إدارة القطاع الزراعي، حيث تم تسجيل نحو 5.
2 مليون حيازة زراعية إلكترونيًا تغطي أكثر من 7 ملايين فدان.
وأسهمت هذه المنظومة في توفير قاعدة بيانات دقيقة تساعد على ضبط توزيع الأسمدة المدعمة ومنع التلاعب، فضلًا عن دعم جهود الشمول المالي بعد دمج الكارت مع منظومة المدفوعات الإلكترونية.
كما تبنت الوزارة تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية لإنشاء منصة موحدة لبيانات القطاع الزراعي، بما يسمح بمتابعة الأراضي والمحاصيل بصورة دقيقة واتخاذ القرارات على أسس علمية حديثة.
نهضة شاملة في الثروة الحيوانية والداجنةوامتدت مسيرة التطوير إلى قطاع الثروة الحيوانية، حيث شكل المشروع القومي لإحياء البتلو أحد أهم المبادرات التي استهدفت زيادة إنتاج اللحوم الحمراء والحفاظ على الثروة الحيوانية الوطنية.
ومنذ إطلاق المشروع عام 2017، تم توفير تمويلات تجاوزت 10.
67 مليار جنيه استفاد منها أكثر من 45 ألف مربي ومزارع، لتمويل تربية أكثر من 530 ألف رأس ماشية، ما ساهم في رفع معدلات الإنتاج وتحسين دخول المربين.
وأدت هذه الجهود إلى زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء إلى أكثر من 60%، ورفع حجم الإنتاج المحلي إلى نحو 600 ألف طن سنويًا، بما يقلل الاعتماد على الواردات ويعزز استقرار الأسواق.
وفي قطاع الدواجن، شهدت الصناعة طفرة استثمارية ضخمة رفعت حجم الاستثمارات إلى نحو 200 مليار جنيه، مع زيادة عدد المنشآت الداجنة إلى نحو 60 ألف منشأة، الأمر الذي ساهم في مضاعفة الإنتاج ليصل إلى 2.
6 مليون طن سنويًا مقارنة بنحو 1.
3 مليون طن فقط عام 2014.
كما ارتفع إنتاج بيض المائدة إلى نحو 16.
5 مليار بيضة سنويًا، محققًا الاكتفاء الذاتي الكامل مع وجود فائض للتصدير، في إنجاز يعكس نجاح السياسات الحكومية في دعم هذا القطاع الحيوي.
الصادرات الزراعية.
حضور عالمي متزايدولعل أحد أبرز المؤشرات على نجاح استراتيجية التطوير الزراعي يتمثل في الطفرة الكبيرة التي شهدتها الصادرات الزراعية المصرية خلال السنوات الماضية.
فقد ارتفع حجم الصادرات من نحو 2.
77 مليون طن عام 2014 إلى 9.
5 مليون طن خلال عام 2025، بنسبة نمو تجاوزت 300%، وهو ما يعكس التطور الكبير في جودة المنتجات الزراعية المصرية وقدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
وساهمت منظومة تكويد المزارع والمحاصيل التصديرية في تعزيز ثقة الأسواق الخارجية بالمنتجات المصرية، حيث تعتمد على تقنيات حديثة لتتبع المحاصيل وضمان مطابقتها للمعايير الدولية، إلى جانب تطوير منظومة الحجر الزراعي والمعامل المرجعية الخاصة بتحليل متبقيات المبيدات.
ونتيجة لهذه الجهود، نجحت مصر في الوصول إلى نحو 170 سوقًا عالميًا، من بينها 21 سوقًا جديدًا تم فتحها خلال النصف الأول من عام 2026، بما يدعم حصيلة النقد الأجنبي ويعزز مكانة مصر كأحد أهم المصدرين الزراعيين في المنطقة.
الزراعة المصرية.
ركيزة للجمهورية الجديدةتكشف الإنجازات التي تحققت في القطاع الزراعي خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية عن حجم التحول الذي شهدته مصر في هذا الملف الحيوي، حيث لم تعد الزراعة مجرد نشاط إنتاجي تقليدي، بل أصبحت أحد المحركات الرئيسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأحد أهم أدوات الدولة في مواجهة التحديات العالمية المتعلقة بالغذاء والمياه والمناخ.
وبين مشروعات الاستصلاح العملاقة، والتوسع في الإنتاج، والتحول الرقمي، وتطوير الثروة الحيوانية والداجنة، وتعزيز الصادرات، تتشكل ملامح قطاع زراعي حديث يسهم في بناء الجمهورية الجديدة، ويعزز قدرة مصر على تحقيق أمنها الغذائي والانطلاق نحو مستقبل أكثر استدامة وقدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك