قال نقاد فنيون مغاربة إن “فصل الصيف، بما يتيحه من أجواء ملائمة للإقبال الجماهيري، يمثل فرصة حقيقية لتعزيز دينامية المهرجانات الثقافية والموسيقية، التي تشكل رافعة لتنشيط المشهد الفني وإبراز التنوع الثقافي الذي تزخر به مختلف جهات المملكة”، مؤكّدين أن “هذه التظاهرات تسهم في تقريب الفنون من الجمهور، وتوفير فضاءات للتلاقي والتبادل بين الفنانين والمتلقين”.
وأضاف المتحدثون لهسبريس أن “وجود برمجة” فنية تتزامن مع انطلاق العطلة، في انتظار مهرجانات أخرى معروفة في أكادير وطنجة وغيرها من التحركات الموسيقية، يبرز القدرة على تحقيق التوازن بين استقطاب الأسماء اللامعة وإفساح المجال أمام المواهب المغربية الصاعدة”، مشددين على “ضرورة توزيع هذه التظاهرات بنوع من التكافؤ على المجالات الترابية المغربية الأخرى تحقيقا لمبدأ العدالة المجالية”.
قال إدريس القري، الناقد الثقافي والباحث في الجماليات، إن “المهرجانات الثقافية والموسيقية، التي تنتعش خلال فصل الصيف بالمغرب، تنجح في إحداث دينامية حقيقية داخل المجتمع؛ بالنظر إلى ما تخلقه من حركية على المستويات الثقافية والفنية والسياحية”.
وأضاف القري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذه “الدينامية تأتي في سياق عام يشهده المغرب، يتسم بحيوية غير مسبوقة تشمل مختلف القطاعات، مدفوعة بأوراش التحديث الكبرى والاستعدادات المرتبطة باحتضان التظاهرات الدولية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030”.
وأبرز المتحدث ذاته أن “هذه الحيوية لا تقتصر على المجال الثقافي، بل تمتد إلى المجالات الاقتصادية والرياضية والمؤسساتية”؛ غير أن القطاع الثقافي والفني لا يزال، في نظره، “يسير بوتيرة أبطأ مقارنة بما تعرفه باقي القطاعات من تحديث؛ وهو ما يجعل آليات التدبير ومعايير اتخاذ القرار لا تزال بحاجة إلى مراجعة تفتح المجال أمام أشكال جديدة في التسيير”.
وأشار الناقد الثقافي والباحث في الجماليات إلى أن “أغلب المهرجانات المغربية باتت بالفعل مهمة في السياق الوطني والقاري وحتى الدولي”، مستدركا بالقول: “تقييم نجاحها مع ذلك ينبغي ألا يستند فقط إلى ما يُنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأن هذه الوسائط تتبنى أحيانا خطابات ترويجية، الأمر الذي يستدعي اعتماد تقييمات ميدانية ومهنية أكثر موضوعية لقياس الأثر الحقيقي لهذه التظاهرات، وتوزيع ما يليق على مستوى بقية المناطق المغربية”.
وأورد القري أن “الساحة الثقافية المغربية مرشحة لاحتضان مهرجانات جديدة خلال الفترة المقبلة يتعزز من خلالها المشهد الغني في الوقت الحالي”، معربا عن أمله في أن “تحمل هذه المبادرات نفسا مختلفا، خصوصا في المجالين الغنائي والسينمائي، بما يسهم في تجديد المشهد الثقافي ومواكبة الدينامية التي تعرفها المملكة في مختلف المجالات”.
قال عبد الله الشيخ، الناقد الفني والأستاذ الباحث، إن المهرجانات الثقافية والفنية التي يحتضنها المغرب خلال فصل الصيف أصبحت جزءا أصيلا من المشهد الثقافي والسياحي الوطني؛ بالنظر إلى ما تعرفه مختلف جهات المملكة من حركية متواصلة تشمل التظاهرات الموسيقية والمسرحية والسينمائية والتراثية، موضحا أن هذه الفعاليات تسهم في تنشيط الحياة العامة، وتعكس صورة المغرب باعتباره فضاء للتعدد الثقافي والانفتاح الحضاري.
وأورد الشيخ، ضمن حديثه إلى جريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذه المهرجانات تؤدي أدوارا مهمة على أكثر من مستوى، إذ تشكل مناسبة للتعريف بالتراث المغربي اللامادي، وتمنح الفنانين والمبدعين فرصة تقديم أعمالهم أمام جمهور واسع.
وأضاف الناقد الفني سالف الذكر أن هذه التظاهرات الفنية تنعش الاقتصاد المحلي عبر تحريك قطاعات السياحة والفندقة والنقل والصناعات التقليدية، فضلا عن خلق فرص عمل موسمية لفائدة الشباب.
كما تعزز الحوار الثقافي بين المغرب ومختلف دول العالم، و”تمنح المدن المحتضنة إشعاعا إعلاميا وسياحيا ينعكس إيجابا على جاذبيتها”.
وسجل المصرح لهسبريس أن هذه التظاهرات لا تخلو من اختلالات تستدعي المراجعة؛ بالنظر إلى أن “عددا من المهرجانات بات يميل إلى الطابع الاستهلاكي والترفيهي على حساب رسالته الثقافية والفكرية؛ وهو ما يحولها في كثير من الأحيان إلى مناسبات للفرجة العابرة بدل أن تكون فضاءات للإبداع والنقاش وإنتاج المعرفة”.
وفي هذا الصدد، لفت إلى أن “ارتفاع ميزانيات بعض المهرجانات يطرح تساؤلات بشأن أولويات الإنفاق، في مقابل استمرار ضعف حضور الفنانين المحليين والمواهب الصاعدة ضمن البرمجة، إضافة إلى غياب رؤية ثقافية واضحة، وتكرار المضامين نفسها سنوية نتيجة ضعف التنسيق والتشبيك بين مختلف الفاعلين”، معتبرا أن “نجاح المهرجانات لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الحفلات أو حجم الحضور الجماهيري، وإنما بقدرتها على إنتاج قيمة ثقافية مستدامة، وترسيخ التربية الفنية”.
ويعوّل الشيخ على هذه الحركية اللافتة من أجل “دعم الصناعات الإبداعية، وإشراك المجتمع المدني والجامعات والباحثين في بلورة برامجها”، خالصا إلى أن “المهرجانات الصيفية تمثل رصيدا مهما للمغرب إذا أحسن تدبيرها وترشيدها وتقنينها ضمن رؤية استراتيجية تجعل الثقافة استثمارا في الإنسان والهوية، وتنتقل من منطق تنظيم الأنشطة الموسمية إلى بناء مشروع ثقافي متكامل يترك أثرا مستداما في المجتمع”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك