على الرغم من أن قطار تعليمه النظامي توقف عند المرحلة الابتدائية بسبب شُح المدارس في أسوان آنذاك، إلا أن العقاد جعل من العالم مدرسته الكبرى؛ فأصر على التعلم الذاتي، وأتقن اللغة الإنجليزية عبر مخالطته اللصيقة للسياح، مما فتح له نافذة واسعة للاطلاع على الثقافات الغربية التي صقلت موهبته وأثرت قلمه.
عُرف عنه منذ الصغر شغفه الطاغي بالقراءة والكتابة، إذ كان ينفق عليهما جلّ ماله الخاص ويقتطع لهما الجزء الأكبر من مدخراته.
تنقل العقاد في بدايه حياته بين عدة وظائف حكومية، شملت مصلحة السكة الحديد وديوان الأوقاف وغيرهما، لكن شغفه قاده في النهاية إلى" بلاط صاحبة الجلالة"، فاختار الصحافة مساراً أبدياً للحياة، وهي المهنة التي فتحت له أبواب التعرف على زعيم الأمة سعد زغلول والتأثر به.
بواكير القلم وحفاوة النخبةشهد عام 1912 انطلاقة العقاد في عالم النشر عبر دار الهلال التي أصدرت له أول كتبه بعنوان «خلاصة اليومية والشذور»، ليعقبه في عام 1913 بكتابه «الإنسان الثاني» الذي ناقش فيه بوعي مبكر المكانة والاحترام اللذين أحرزتهما المرأة في الحضارة الحديثة، ثم كتاب «ساعات بين الكتب» عام 1914، والذي قدم فيه قراءات منوعة في الفلسفة والتراث والشعر.
لم يكن الشعر بمعزل عن فكر العقاد؛ ففي عام 1916، وهو في السابعة والعشرين من عمره، خرج إلى النور ديوانه الأول «يقظة الصباح»، حاملاً قصائد مميزة لعل أبرزها «الشاعر الأعمى»، «العقاب الهرم»، «خمارويه وحارسه»، و«رثاء أخ»، إلى جانب قصائد مترجمة مثل «فينوس على جثة أدونيس» لشكسبير، وقصيدة «الوداع» للشاعر الإسكتلندي روبرت برنز.
تلا هذا الديوان مسيرة شعرية حافلة أصدر خلالها تسعة دواوين أخرى ليكون إجمالي إنتاجه الشعري عشرة دواوين، من بينها ديوان «هدية الكروان» عام 1933.
هذا العطاء الغزير استوجب احتفاءً تاريخياً؛ ففي أبريل من عام 1934، أقيم حفل تكريم مهيب للعقاد على مسرح حديقة الأزبكية، حضره حشد من الأدباء والوزراء وأعلام المجتمع، وشهد الحفل كلمة تاريخية لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ألقى فيها ثقله النقدي مادحاً ومثنياً على شاعرية العقاد.
واصل العقاد إبداعه في النصف الثاني من الثلاثينيات، فأصدر عام 1936 كتابه السياسي والتاريخي الهام «سعد زغلول»، راصداً فيه حياة الزعيم الكبير وكواليس ثورة 1919.
في عام 1937، توالت إصداراته بطرح ديوان «عابر سبيل»، بالتزامن مع إصدار كتاب نقدي تاريخي بعنوان «شعراء مصر وبيانهم في الجيل الماضي 1355 - 1937» والذي ضم مقالات نقدية تُشرّح تجربة كل شاعر من ذلك الجيل، فضلاً عن إعادة طباعة كتابه الأسبق «ساعات بين الكتب» في نفس العام.
لم تقف عبقرية العقاد عند حدود الضاد؛ إذ عبرت مؤلفاته القارات وتُرجمت إلى لغات عدة، حيث نُقل كتابه الفلسفي الأشهر «الله» إلى اللغة الفارسية، كما عرفت كتبه الأخرى طريقها إلى المكتبات العالمية عبر ترجمتها إلى الألمانية، الفرنسية، والروسية.
في السادس والعشرين من شوال عام 1383 هـ، الموافق للثاني عشر من مارس عام 1964، رحل العقاد عن دنيانا بعد أن آثر العزوبية طوال حياته ولم يتزوج أبداً، مخلفاً وراءه إرثاً فكرياً خالداً لا يزال يضيء عقول الأجيال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك