تتواصل حملة الاعتقالات في العراق ضمن سياق سياسي وأمني متشابك، وسط قراءات تعتبرها خطوة تتجاوز الإطار الداخلي لتلامس ملفات إقليمية ودولية حساسة، في وقت تستعد فيه الحكومة لزيارات خارجية حاسمة ومباحثات تتعلق بالاقتصاد والأمن ومكافحة شبكات التهريب والفساد.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية عصام الفيلي أن التحركات الأخيرة لرئيس الوزراء علي الزيدي تحمل رسائل سياسية واضحة باتجاه الولايات المتحدة قبيل زيارته المرتقبة إلى واشنطن، مؤكداً أنها تعكس محاولة لإظهار جدية الحكومة في ملف مكافحة الفساد وإعادة ضبط التوازنات الداخلية.
وأوضح الفيلي أن استخدام جهاز مكافحة الإرهاب وتنفيذ عمليات دهم واعتقال طالت مسؤولين ومقار مرتبطة بفصائل مسلحة، يشير إلى تحول في أدوات المواجهة مع شبكات النفوذ، مقارنة بالنهج الذي اتبعته حكومات سابقة.
ويضيف أن هذه الإجراءات تأتي في إطار محاولة تفنيد الاتهامات الدولية، خاصة من مراكز بحثية أميركية، بشأن ارتباطات مالية وسياسية مع أطراف إقليمية، في إشارة إلى إيران، مع التأكيد على رغبة الحكومة في تعزيز استقلالية القرار السياسي والاقتصادي العراقي.
وفي سياق متصل، يرى أستاذ العلوم السياسية إياد العنبر أن الضغوط الأميركية بشأن ملفات الفساد والصفقات المالية المشبوهة تزداد وضوحاً، خصوصاً ما يتعلق بتداخلها مع شبكات إقليمية يُشتبه بارتباطها بتمويل أنشطة غير قانونية.
ويشير العنبر إلى أن هذه الإجراءات قد تشكل ورقة قوة بيد الحكومة العراقية في مفاوضاتها المقبلة مع واشنطن، في ظل اهتمام دولي متزايد بملف مكافحة تهريب الدولار وتقليص نفوذ شبكات مالية معقدة.
من جهته، يعتبر المحلل السياسي سيف السعدي أن بنية النظام السياسي العراقي ما بعد 2003 تواجه تحديات عميقة، وُصفت في بعض التقارير الدولية بأنها ذات طابع “كليبتوقراطي”، ما يجعل أي إصلاح جذري مرتبطاً باستهداف منظومات الفساد الكبرى وليس فقط المستويات الثانوية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتقاطع فيه الاعتبارات الداخلية مع حسابات إقليمية ودولية، ما يمنح الحملة أبعاداً تتجاوز الجانب الأمني إلى إعادة تشكيل مسار العلاقة بين الدولة وشبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك