القراءة الهادئة، والقراءة السريعة، وكل أنماط القراءة للاتفاق الموقّع بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني برعاية صقور البيت الأبيض، تضعنا أمام شيء أبعد من اتفاق تطبيع، وأكثر من صفقة سلام، شيء يمكن أن تسمّيه" التحالف"، وتصفه بأنّه" التطبيع الكيدي"، ذلك أنّ جوهر المسألة هو التأكيد على العداء المشترك بين طرفي الصفقة من جانب، وإيران والمقاومة اللبنانية من جانب آخر.
تطغى روح الخصومة الثنائية، اللبنانية الرسمية والصهيونية، مع المقاومة ممثّلةً في حزب الله على بنود الاتفاق الإطاري الذي وقّعته السلطة اللبنانية والعدو الإسرائيلي في جوّ عائلي بهيج في العاصمة الأميركية، وتحت إشراف دونالد ترامب ورعايته، وتنفيذ وزير خارجيته ماركو روبيو، أشرس أعضاء الإدارة الأميركية في الدفاع عن مصالح إسرائيل.
وكما يقال في العربية الفصيحة: " أول القصيدة كفر".
وهكذا، منذ البند الأوّل في الاتفاق، تصفعك الفقرة الأولى بما يلي: " تؤكّد إسرائيل ولبنان حقّ كلّ دولة في الوجود بسلام، ورغبتهما المتبادلة في العيش بأمن بوصفهما دولتَين ذاتا سيادة ومتجاورتَين.
ويعلن الطرفان، بموجب هذا الإطار، عزمهما على إنهاء النزاع بينهما بصورة نهائية".
هكذا، منذ اللحظة الأولى، تسقط فلسطين من ذاكرة السلطة اللبنانية، وتُحذف من معادلات الأخوّة والمصير المشترك، وكأنّ السيّدَين جوزاف عون ونوّاف سلام هبطا للتوّ في الأراضي اللبنانية قادَمين من إسكندنافيا، يحملان قلبَين أوروبيَين وعقلَين باردَين محايدَين، لا يرى أحدهما في الكيان الصهيوني احتلالاً لدولة عربية اسمها فلسطين، هي الأكثر قرباً وقربى من لبنان من بقية المحيط العربي كلّه، ناهيك عن أنّ" الجار السيّد"، بالمنظور العوني، يحتلّ مساحات شاسعة في الجنوب اللبناني، ولا يفكّر في الانسحاب منها، بحسب التصريحات المشدّدة من عسكرييه وسياسييه فور توقيع الاتفاق السعيد.
في البندين الرابع والخامس تشعر وكأنّ حكومة عون ونواف، وشريكتهما حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، تكتبان قصيدة مشتركةً بالنظر إلى" الهارموني" الوفير في النصّ والسياق معاً، إذ يبدأ لبنان بكتابة صدر البيت الشعري بالقول: " وتلتزم حكومة الجمهورية اللبنانية بإعادة ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوّة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والمتحقَّق منه لكلّ الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، وضمان عدم اضطلاع هذه الجماعات بأيّ دور عسكري أو أمني، وعدم امتلاكها أيّ قدرات مسلّحة في أيّ مكان على الأراضي اللبنانية.
وبموجب هذا الإطار، تطلب حكومة الجمهورية اللبنانية دعم الشركاء الدوليين، لا سيّما الشركاء العرب، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، لتحقيق هذه الغاية".
فيردّ الكيان الصهيوني بكتابة" عجز بيت الشعر" هكذا: " تؤكّد حكومة دولة إسرائيل أنّ عملياتها العسكرية في لبنان جاءت حصراً نتيجةً للهجمات والتهديدات والنيّات العدائية الصادرة عن الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، لا سيّما حزب الله".
ثم، بالوصول إلى البند الثامن، تجد هذا العناق الاستراتيجي الحارّ: " يؤكّد البلدان أنهما يتشاطران هدف إقامة لبنان آمن ومعاد إعماره، يتمتّع بسيادة الدولة اللبنانية الكاملة، ولا تشكّل فيه أيّ جماعة مسلّحة غير تابعة للدولة تهديداً لإسرائيل أو للبنان أو لمواطني أيّ من البلدَين".
خارج النصوص الرسمية ما هو أخطر، بل ما هو تعبير حقيقي عن مكاسب الصهيوني ومراميه من الاتفاق، والذي بثته القناة 13 الإسرائيلية، على لسان المعلّق ومقدّم البرامج الإسرائيلي الشهير رفيف دروكر، الذي قال إنّ" الخطّة الإسرائيلية في لبنان هي تقسيم البلاد وإغراقها في حرب أهلية لإجبار حكومة لبنان على مواجهة حزب الله عسكرياً"، فيما قال المراسل العسكري للقناة نفسها، ألون بن ديفيد، المعروف بصلاته الوثيقة بالمؤسّستين العسكرية والأمنية وبصنّاع القرار، إنّ هذا" كان هدف إسرائيل منذ البداية"، في إشارة إلى إشعال حرب داخلية في لبنان.
الخطاب الصهيوني بعد التوقيع، بكلّ تنويعاته، من رئيس حكومة الاحتلال وأعضائها وصولاً إلى الشارع الإسرائيلي، يتحدّث عن انتصار تاريخي بانتزاع، أولاً، الدولة اللبنانية من تاريخها ومقاومتها الوطنية واستعصائها على الرضوخ لمنطق الاحتلال.
وثانياً، انتزاع رخصة رسمية لبنانية بحرّية العمل والحركة والبقاء في المساحات المحتلّة من الجنوب اللبناني، وثالثاً، انتزاع لبنان كلّه من مسار مفاوضات إسلام أباد وسويسرا، بوساطة عربية، وهو المسار الذي وفّر الفرصة للبنانيين لتحرير الأرض المحتلة كاملةً من دون تنازلات تخدش عروبة لبنان وشرفه الوطني.
في المحصّلة، يمكن القول إنّ مكايدة إيران ومعاداة حزب الله هما جوهر هذا التحالف الموقّع في واشنطن، على نحو يبدو معه تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الصهيوني مسألةً هامشيةً لا تلحّ على السلطة اللبنانية، الآن على الأقلّ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك