لم يكن متوقّعاً أن تخرُج المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، بضيافة الخارجية الأميركية في واشنطن، بغير اتفاقٍ سيئ.
وكنّا نحن الذين نُحسب معتدلين (من دون أن نتطرّف إلى مباركة التطبيع) سنتفهّم هذا، وربما نبرّره، ونراه من وسائل كفّ شرور إسرائيل اليومية على شطرٍ عريضٍ من اللبنانيين، وعلى لبنان المنهك الضعيف نفسه.
ولكن الذي وقَع أن الاتفاق المعلن مساء يوم الجمعة الماضي جاء أسوأ بكثير من منسوب السوء الذي كنّا سنرضى به، فيصل إلى منزلةٍ تستعصي على الهضم والاحتمال.
ولمّا كانت ديباجاتٌ وبنودٌ في الوثيقة الموقّعة، وسمّيت اتفاق إطار، تنطق صراحةً إننا أمام نصٍّ يسوق لبنان إلى" إنهاء النزاع" مع إسرائيل، فليس من سوء الظن (وإنْ يُعدّ من حسن الفطن أحياناً) أن يقال هنا إن ما قرأناه في هذا الاتفاق عتبةٌ باتجاه معاهدة سلام، أو أقلّه معاهدة عدم اعتداء، أو صورةٍ للرئيس جوزاف عون مع رئيس حكومة دولة الاحتلال نتنياهو في ضيافة ترامب في البيت الأبيض الشهر المقبل.
ولئن يُحسب كلامٌ مثل هذا مجازفةً، فالمأمول أن يكون كذلك، لكنها مقاديرُ باهظةٌ من عدم الطمأنينة تأخذُنا إليها بنودٌ في الوثيقة، بوضوح، تجعلنا نتحسّب من حدوث هذا الاحتمال الذي لا شكوك في أن تداعياته ستستجر الفتنة التي حذّر منها، محقّاً، رئيس مجلس النواب، نبيه بري، أو مقادير منها.
وإذا صحّ ما تردّد أن فريق الخارجية الأميركية ألزم الفريق اللبناني المفاوض بالموافقة على" اتفاق الإطار" كما هو، مع الأخذ باعتباراته بشأن" المناطق التجريبيّة"، فإن الاحتفاء الإسرائيلي المهول بهذا" الإنجاز" يسوّغ هذا الظن، ويجعل الكلام الوفير عن سيادة لبنان في الاتفاق، وفي بيانات رئيسي الجمهورية عون والحكومة نواف سلام، زجلاً لبنانيّاً مألوفاً يُطرب سامعيه، ثم ينقضي في ساعته.
ومع كل التقدير لوطنيّة الرجليْن، ومعاونيهما، وسائر أعضاء الحكومة، ومع وجوب عدم مضي أي نقد أو انتقاد لما يفعلونه ويمشون فيه، إلى أي تخوينٍ أو تجريح، لا يلغي هذا كله قيمة أساسية للسؤال بشأن ما اضطرّ لبنان الرسمي إلى أن يرهن انسحاباتٍ إسرائيليةً من أراضٍ لبنانيةٍ بتجريد حزب الله من سلاحه، من دون جدولةٍ زمنيةٍ واضحة، وما اضطرّه إلى الموافقة على" وقف كل الأعمال العدائية أو الضارّة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية"، من باب إبداء حسن النيّة.
وفي البال أن المُجرّب لا يجرّب، وأن خبرة لبنان طويلة ومديدة مع تحلّل إسرائيل من أي اعتباراتٍ ومواضعات إنسانيةٍ وقانونيةٍ وأخلاقية، في أثناء الحروب والهدن وغيرهما.
ومع بديهيّاتٍ منصوصٍ عليها هنا تقول بمسؤولية الجيش اللبناني في الدفاع عن بلده وحمايته وبسط سلطته في كل البلاد، يطرأ السؤال عن مدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض إرادتها على حزب الله، وهي التي قرّرت حكومتها، مطلع مارس/ آذار الماضي، حظر جميع أنشطة الحزب، العسكرية والأمنية، من دون أن تستطيع هذا.
ما قد يعني أن الانسحاب الإسرائيلي المشتهى سيبقى معلّقاً إلى ما شاء الله.
ولا بأس هنا من أن تتذكّر السلطة في بيروت أنها لم تستطع أن تُلزم سفير إيران في البلاد بإنفاذ قرارها، في مارس/ آذار الماضي، مغادرته البلاد، بعد مهلةٍ له شاء الرجل وحكومة بلاده عدم الاكتراث بها.
يُحيل الإتيان على رفض حزب الله المعلن الاتفاقية الموقّعة، واعتباره أنها غير موجودة، وعلى نقصان قدرة الدولة على فرض قراراتها في غير شأن، إلى مأزق الدولة اللبنانية العتيد العتيق، أو استضعافها، الأمر الذي ربما جعلها في موضعٍ يبعث على التعاطف معها، وهي في ضيافة ماركو روبيو وطواقمه، في جولات تفاوضٍ خمس، انتهت إلى الوثيقة السيئة، وإنْ تكرّم السفير الإسرائيلي في واشنطن بوصف السفيرة اللبنانية المفاوضة، ندى حمادة، بأنها كانت" لبؤة" في المداولات الطويلة التي كان الوفد اللبناني منكشفاً بلا أي ظهير عربي، وكان، على الأرجح، مستعجلاً في مزاحمة مسار مذكّرة إسلام أباد بين واشنطن وطهران، مدفوعاً بسعيه إلى تظهير لبنان دولة ذات سيادة لا يُجاز لإيران الحديث باسمها، ولا أن تُقايض فتح مضيق هرمز وإغلاقه بانسحابات إسرائيلية من أراض لبنانية.
كل هذه التفاصيل، وأخرى غيرُها، أنتجت اتفاقاً كان في الوسع، رغم كل شيء، أن يكون أحسن، أو في مقادير من السوء تجعلنا نراه محظوراً يمكن إجازته ظرفياً، إلى أن يأذن التاريخ بغيره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك