في حديث أجراه معه في بروكسل التلفزيون الرسمي البلغاري (BNT) في 24 فبراير/ شباط 2026، لاستجلاء حصيلة مداولاته مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، قال الممثّل السامي لمجلس السلام في غزّة، نيكولاي ملادينوف، حرفياً: " إذا فشلت الخطّة التي يجري العمل فيها، هنالك احتمال كبير أن تنشب حرب جديدة، وهي ستكون حسب تقديري أكثر تدميراً من الحرب المدمّرة التي شهدناها"، في إشارة ضمنية إلى الحرب التي اندلعت بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت حتى 10 أكتوبر 2025.
بعد أربعة أيام من هذا التصريح، الذي لم يستوقف أحداً في حينه، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية على إيران حربهما التدميرية، التي توسّعت إقليمياً لتشمل دول الخليج ولبنان والأردن والعراق، ولا يزال العالم يترقّب بحذر محاولات إقفال ملفّها.
يعكس التصريح، المهم لجهة توقيته ومضمونه، قدرة الدبلوماسي البلغاري على استشراف ما يدور في دوائر صنع القرار السياسي- الأمني في واشنطن، وأولويات إدارة دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو، كما يعكس بالمقدار نفسه الأهلية والرؤية اللتين جعلتا منه ثالث شخصية بلغارية ذات شأن في المسرح الدولي بعد الأمينة العامة السابقة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم الثقافة (يونيسكو) لدورتين متتاليتين (2009 - 2017) إيرينا بوكوفا، والمديرة العامّة لصندوق النقد الدولي منذ 2019 كريستالينا غيورغييفا.
كما يكشف التصريح، والقراءات السياسية الدقيقة المواكبة له في سياق المقابلة، إلمام ملادينوف بأولويات" مجلس السلام" الذي يمثّله، ودفعا الرئيس الأميركي ترامب إلى تفضيله على رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، عند تشكيل المجلس في يناير/ كانون الثاني الماضي، لشغل منصب ممثّله السامي.
وبالقدر نفسه، يظهر تكرار اسم ملادينوف في المتابعات الإخبارية للاجتماعات الجارية في القاهرة منذ شهور بمشاركة الفصائل الفلسطينية ورعاية مصر وتركيا وقطر، محورية دوره في سياق مفاوضات تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الخاصّ بغزّة، المستند إلى خطّة ترامب.
ما هي منابع تميّز هذا الدبلوماسي البلغاري ومصادر إحاطته بملفّ غزّة؟ وهل تعكس مواقفه وتقديراته المزاج السائد حالياً في بلغاريا حيال القطاع المنكوب ومستقبله، مع ازدياد أهمية هذا البلد الصغير (جغرافياً وسكّانياً)، والمتمتّع بعضوية الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)؟نجح ملادينوف في بناء علاقة ثقة مع النخبة السياسية في إسرائيل، بالتوازي مع احتفاظه بقنوات تواصل مع حركة حماس والسلطةمن العراق إلى غزّة: مسار دبلوماسيقبل أن يسند الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، إلى ملادينوف، في 2 أغسطس/ آب عام 2013، منصب رئاسة بعثة" يونامي" لتقديم المساعدة في العراق، كان الأخير قد خاض تجارب في برلمان بلاده والبرلمان الأوروبي، أعقبها تبوّؤه منصبَي وزير الدفاع والخارجية في حكومة تنتمي إلى يمين الوسط بزعامة بويكو بوريسوف.
واستبق ملادينوف تلك التجارب بالعمل في منظّمات أوروبية غير حكومية والبنك الدولي، بعدما كان قد أنهى عام 1995 دراسته في كلّية الاقتصاد الوطني والدولي في بلغاريا، ثمّ ألحقها في العام التالي بالحصول على الماجستير من كلية كينغز كوليج البريطانية، على أطروحة عنوانها" تأثيرات عملية السلام في الشرق الأوسط في البرنامج النووي الإسرائيلي".
في العراق، سجّل ملادينوف أولى علامات تميّزه عندما حذّر مجلس الأمن، قبل أشهر من سقوط الموصل (10 يونيو/ حزيران 2014)، من تدهور الأوضاع في محافظة الأنبار، وخطر امتداد الصراع السوري إلى العراق.
وشدّد، بحسب تقارير، على خطورة تهميش العراقيين السنّة نتيجةً للسياسات الطائفية التي تنتهجها حكومة بغداد.
وفي 12 يونيو 2014، وفي إحاطة طارئة لمجلس الأمن، وصف ملادينوف الفوضى العارمة: نهب البنوك، وإطلاق سراح سجناء" داعش"، وفرار الفرق العراقية.
وخلص إلى تشخيص واضح: استحالة أيّ ردّ عسكري من دون إشراك السنّة سياسياً.
ويُنسب لملادينوف دور حاسم في عملية استبعاد نوري المالكي من الحكم عام 2014 وتعاونه مع الفصائل الشيعية والأكراد والشركاء الدوليين (الولايات المتحدة وإيران) لضمان انتقال سلمي للسلطة إلى حيدر العبادي.
علماً أنّ هذه الخطوة كانت حاسمةً لتشكيل حكومة وحدة وطنية يساندها تحالف دولي.
هذا إلى جانب وساطته في مفاوضات معقّدة بين بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بشأن تقاسم عائدات النفط.
انتقل عمل ملادينوف في فبراير/ شباط 2015 إلى الملفّ الفلسطيني، عندما كلّفه بان كي مون بالعمل منسّقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط (UNSCO) في الفترة التي أعقبت ثالث حروب إسرائيل على القطاع المحاصر (يوليو/ تموز 2014) التي أطلقت تل أبيب عليها اسم" الجرف الصامد".
وإلى جانب تعاونه مع السلطة الفلسطينية (كرّمه محمود عبّاس عند انتهاء مهمّته في فبراير 2021 بمنحه وسام القدس)، بنى ملادينوف خلال فترة عمله انطلاقاً من القدس، علاقة مع الطرفين المتحاربين: إسرائيل وحركة حماس خلال فترة تصاعد التوتّر بينهما.
ودعم فكرة حلّ النزاع عبر المفاوضات، وفقاً لما ذكرته وكالة أسوشييتد برس، نشر في يناير 2026.
وقد حظي دور ملادينوف بإشادة جميع الأطراف تقريباً، بما في ذلك السلطة الفلسطينية التي نقلت وكالة أسوشييتد برس عن وزير العمل السابق فيها أحمد مجدلاني قوله إنّ ملادينوف" يعرفنا ويعرف الإسرائيليين جيّداً، وهذا يُعدّ ميزة كبيرة".
وسبق إشادة مجدلاني إطراء ملادينوف من القيادي في" حماس" خليل الحية، عندما قال عام 2021 لصحيفة نيويورك تايمز في معرض إشادته بالدبلوماسي البلغاري: " نحن فخورون بمعرفتنا به".
وفي إسرائيل، يقول الدبلوماسي الإسرائيلي المتقاعد ألون بار لـ" أسوشييتد برس" إنّ ملادينوف نجح في" بناء علاقة ثقة مع النخبة السياسية في إسرائيل، بما في ذلك رئيس الوزراء نتنياهو".
وكانت صحيفة يديعوت أحرونوت قد نشرت في الأوّل من أغسطس/ آب 2018 تقريراً يقول: أصبح المبعوث الأممي إلى الشرق الأوسط، البلغاري نيكولاي إفتيموف ملادينوف بهدوء، أحد أبرز الوسطاء الذين عرفناهم في السنوات الماضية، ورجلاً على عاتقه مهمّة بالغة الأهمية: منع نشوب حرب بين إسرائيل وحركة حماس، وتحقيق إعادة إعمار قطاع غزّة في نهاية المطاف".
وبعد إشارة كاتبَي تقرير" يديعوت أحرونوت" إلى تواصل فريق ترامب للسلام بقيادة جاريد كوشنر مع ملادينوف لبحث إمكانية تقديم خطّة سلام، من الواضح أنّها ستتضمّن بنداً مهماً هو" غزّة أولاً"، فقد سجّلا إقراراً بالخدمات التي أسداها الدبلوماسي البلغاري لقطاع غزّة.
ويقولان: " نجح ملادينوف بهدوء في وضع آلية قادرة على استيعاب الأموال من الدول المانحة وتمويل مشاريع إعادة إعمار قطاع غزّة، وهي المشاريع التي لم يوافق عبّاس على تحمّل مسؤولية تنفيذها في مجالات الإسكان، وتحديث شبكة الكهرباء، وبناء محطّات تحلية المياه، ومحطّات معالجة مياه الصرف الصحّي، ومدّ خطوط الكهرباء، وتحديث خطّ أنابيب الغاز".
يُنسب لملادينوف دور في استبعاد نوري المالكي من الحكم عام 2014 وتعاونه مع الفصائل الشيعية والأكراد والشركاء الدوليين لضمان انتقال سلمي للسلطة إلى حيدر العباديبين رؤية ترامب والانقسام البلغاري حيال فلسطينبيد أنّ دور ملادينوف الإيجابي حيال خدمات غزّة الأساسية، لم يحجب تطلّعه إلى المشاركة في صياغة التسوية النهائية للصراع وفق رؤى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وينقل موقع" ميدل إيست آي" في هذا الصدد عن مسؤولين عرب وغربيين أنّ ملادينوف نسج علاقات جيّدة مع كوشنر عندما كان الأخير يتفاوض على الاتفاقات الإبراهيمية لعام 2020 التي انتهت إلى تطبيع الإمارات والبحرين والمغرب علاقاتها مع إسرائيل.
وقال كوشنر لصحيفة نيويورك تايمز إنّ إدارة ترامب" استأذنت" الدبلوماسي البلغاري خلال المفاوضات، وأخذت" ملاحظاته البناءة" بالاعتبار.
يصعب على المراقب عدم الربط بين موقف ملادينوف من الاتفاقات الإبراهيمية (يرى فيها الفلسطينيون خيانةً لطموحاتهم الوطنية) وانتقاله بعد انتهاء ولايته في الأمم المتحدة إلى العمل في الإمارات ابتداءً من عام 2022 مديراً عامّاً لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، إذ لا يقتصر هذا المنصب على بعده الأكاديمي، بل يضعه في صميم السياسة الخارجية الإماراتية التي تسعى بقيادة محمّد بن زايد إلى تعزيز نفوذها العالمي.
وفي هذا السياق، نشر ملادينوف في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 مقالاً في موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (The Washington Institute) قال فيه: " كان للدبلوماسية الإماراتية دورٌ حاسمٌ في إيقاف خطّة إسرائيل لضمّ أجزاء من الضفّة الغربية عامي 2020 و2025"، ودعا إلى تعزيز هذه الاتفاقات مُشيراً إلى إمكانية إنشاء" منطقة تجارة حرّة إقليمية، وصناديق استثمار مشتركة لإعادة الإعمار، ومشاريع لمواجهة تغيّر المناخ".
استناداً إلى هذه الرؤى، لم يكن مستغرباً أن يقع اختيار الرئيس ترامب على ملادينوف لشغل منصب المندوب السامي لغزّة في مجلس السلام الذي أنشأه، وشاركت في إطلاقه حكومات حليفة لترامب اقتصرت أوروبياً على حكومتي فيكتور أوربان المجرية، وحكومة روسن جليازكوف البلغارية المدعومة من أحزاب يمين الوسط، علماً بأنّ الأخيرة أطيحت في احتجاجات شعبية ضدّ الفساد أواخر العام 2025، وحلت محلها في انتخابات أبريل/ نيسان 2026 حكومة برئاسة رومن رادف.
إزاء تقاطع خيارات ملادينوف الوظيفية والسياسية مع خيارات آخر حكومات يمين الوسط البلغاري، هل ما زالت بلغاريا رسمياً وشعبياً على موقفها الحذر في التعامل مع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة؟
المؤكّد أنّ مسارعة حكومة روسن جليازكوف البلغارية للانضمام إلى مجلس ترامب للسلام، بخلاف الاتجاه السائد في الاتحاد الأوروبي، لم يكن محكوماً باعتبارات داخلية فقط، بل تبرز أهمية رغبة الأوليغارشي ديلان بييفسكي (الداعم الأوّل لحكومة جليازكوف) في استرضاء إدارة ترامب بأيّ ثمن، لعلّها ترفع عنه عقوبات ماغنيتكسي المفروضة عليه منذ العام 2023 وفقاً للقوانين الأميركية لمكافحة الفساد.
ثمّة ما يؤكّد أنّ تأييد مجلس السلام في بلغاريا والانخراط فيه، ليسا محلّ إجماع داخلي، ومخالفة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فقط، بل هما مناقضان للسياسة الخارجية البلغارية التي تلتزم الحذر، في ما يخصّ فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي.
والدليل أنّ اتفاقية الانضمام إلى المجلس، التي مهرها جليازكوف بتوقيعه في دافوس في 22 يناير الماضي، قوبلت بانتقادات كثيفة من المعارضة البرلمانية، ومن خبراء الدستور، ومن النشطاء الذين خرجوا إلى الشارع، ثمّ ما لبث أن أحيلت إلى المحكمة الدستورية للبتّ في صلاحيتها مع انقلاب الأحوال بهزيمة تحالف يمين الوسط أمام حزب بلغاريا التقدّمية الجديد الذي فاز في انتخابات أبريل بأكثرية ساحقة.
دان ملادينوف" 7 أكتوبر"، وقدّمه نقطة انطلاق بدلاً من تقديمه حلقةً في تاريخ أطول من الاحتلال والإفلات من العقاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك