تحليل بقلم ستيفن كولينسون من شبكة CNN(CNN)-- أدى اتفاق بدا أنه تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران لوقف موجة جديدة من أعمال العنف إلى تثبيت هدنة تُعد الخطوة الأولى نحو إنهاء الحرب بصورة دائمة، كما أكد أن لكلا الطرفين مصلحة وطنية حيوية في ذلك.
وجاء هذا التفاهم بعد أيام من الاشتباكات في محيط مضيق هرمز والخليج، وهي مواجهات يمكن فهمها على أنها محاولة من الخصمين لرسم حدود مذكرة التفاهم الغامضة بينهما، والاستعداد للمفاوضات المرتقبة بشأن قضايا مصيرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني.
وقال مسؤول في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الجانبين اتفقا على عقد اجتماع في قطر، الثلاثاء، وإنهما" سيخفضان التصعيد في الوقت الراهن".
ولم يصدر تعليق فوري من الجانب الإيراني.
وشهدت الأيام الأربعة الماضية هجمات إيرانية على سفن تجارية، أعقبتها ضربات أمريكية مضادة، ثم هجمات إيرانية استهدفت قواعد أمريكية ودولاً حليفة في الخليج، ما هدد بتوسع المواجهة إلى صراع أوسع نطاقاً، كما عرّض الانتعاش الاقتصادي العالمي للخطر في وقت بدأ فيه النفط يتدفق عبر المضيق.
ويبدو أيضاً أن هذه الهجمات انتهكت شروط مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان.
وكانت إيران تسعى إلى ترسيخ ورقة نفوذها الجديدة، والمتمثلة في القدرة على إدارة حركة الملاحة عبر ممر مائي حيوي للاقتصاد العالمي.
وأشارت ضرباتها الصاروخية التي استهدفت دول الخليج والمصالح الأمريكية إلى محاولة لفرض نموذج استراتيجي إقليمي جديد لما بعد الحرب.
كما بدا أن طهران تمارس ضغوطاً سياسية على الرئيس دونالد ترامب وتختبر مدى صبره، في وقت يسعى فيه الأخير إلى الحفاظ على ما وصفه بأنه" اتفاق انتصار" لإنهاء الحرب.
في المقابل، لم يكن بمقدور واشنطن السماح لإيران بالسيطرة على حركة الشحن البحري عبر المضيق؛ إذ إن القبول بذلك سيعني هزيمتها في حرب هي من بدأتها.
كما أن الجمهورية الإسلامية كانت ستكتسب القدرة على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة، وممارسة ضغوط سياسية على الولايات المتحدة متى شاءت، ومن ثم إضعاف القوة الأمريكية في المنطقة، التي تتجسد في قدرتها على حماية حلفائها.
وجاء التصعيد الإيراني في أعقاب جولة قام بها وزير الخارجية ماركو روبيو إلى الخليج الأسبوع الماضي، أكدت خلالها الولايات المتحدة وحلفاؤها دعم حرية الملاحة الكاملة وغير المشروطة وغير المقيدة في المضيق، من دون رسوم إيرانية أو" محاولات لفرض السيطرة".
واعتُبر ذلك محاولة لتوضيح بعض البنود الغامضة في مذكرة التفاهم، التي تنص على ضرورة استعادة إيران لحرية المرور وإعادة حركة الملاحة البحرية، لكنها تركت الباب مفتوحاً أمام احتمال فرض طهران رسوماً على الملاحة مستقبلاً.
غير أن حلقة الاستفزازات الإيرانية والردود الأمريكية كانت لعبة خطيرة، إذ هددت بتفاقم الوضع، في ظلّ تعرّض هيبة الرئيس الأمريكي المتقلب للخطر، خاصة في أسبوع يحاول فيه الظهور بمظهر القوة المطلقة وجعل نفسه محور الاحتفالات بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال.
وهدد ترامب، الأحد، بأنه إذا استمرت إيران في" انتهاك" وقف إطلاق النار، فإنها" لن تعود موجودة".
ورغم أن مؤيديه قد يخلصون إلى أن تحذيره نجح في إجبار طهران على التراجع، فإن الإيرانيين تعلموا خلال الحرب ألا يأخذوا خطاباته الأكثر تشدداً على محمل الجد.
كما وافق الرئيس على ما رآه العديد من النقاد رضوخاً لإيران، بعدما قال إنه لا يريد التسبب في ركود اقتصادي حاد من خلال الاستمرار في الصراع.
ومع ذلك، غالباً ما يُعرف ترامب بعدم ثبات مواقفه.
وفي المستقبل، قد يكون من الخطر على طهران أن تفترض أنه سيتصرف دائماً بطرق متوقعة أو أنه سيتجنب تصعيداً كبيراً.
ورغم ذلك، كان هناك دائماً وراء هذه التصعيدات الأخيرة منطق استراتيجي يحول دون العودة إلى حرب شاملة.
فإيران تجني فوائد هائلة من مذكرة التفاهم؛ إذ تحركت الولايات المتحدة لتخفيف بعض العقوبات بانتظار الاتفاق النهائي، وبدأت طهران بالفعل في شحن ملايين البراميل من نفطها مجدداً في مسعى لإحياء اقتصادها المتعثر.
وفي الوقت نفسه، ساعد ارتفاع حركة الملاحة عبر المضيق على تهدئة أسعار النفط العالمية، وحمل معه وعوداً بانخفاض أسعار الوقود، وهو اعتبار مهم في ظل أن أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة تسهم في تراجع نسب الرضا عن أداء ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي.
وانخفض متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى 3.
87 دولار للغالون، الأحد، وفقاً لجمعية السيارات الأمريكية.
ورغم أن هذا السعر لا يزال أعلى بنسبة 30% مما كان عليه قبل الحرب، فإنه يقل كثيراً عن ذروته التي بلغت 4.
56 دولار في أواخر مايو/أيار.
وعلى عكس بعض أسلافه، تجنب ترامب إغراء مواصلة التصعيد في حرب كانت تتجه نحو نهاية غير حاسمة قد تضر بسمعته السياسية.
لكن الخلافات العميقة بين واشنطن وطهران بشأن مضيق هرمز تثير تساؤلات جديدة حول نهجه.
فقبل الحرب التي أطلقها ترامب، كان المضيق مفتوحاً أمام الملاحة، أما المواجهات الحالية حوله فتشير إلى أن المفاوضات المقبلة بشأن ملفات أكثر تعقيداً، مثل البرنامج النووي الإيراني، ستكون أشد صعوبة.
واشنطن: لن نسمح لإيران بتحقيق مكاسب استراتيجيةوقال مسؤول أمريكي، الأحد، إن جميع الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية التي استهدفت مواقع أمريكية في الكويت والبحرين إما جرى إسقاطها أو أخفقت في بلوغ أهدافها، بحسب ما نقل مراسل CNN زاكاري كوهين.
وكانت الولايات المتحدة قد شنت في وقت سابق ضربات استهدفت مواقع لتخزين الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية في محيط مضيق هرمز، وذلك بعدما هاجمت إيران، الخميس، سفينة حاويات ترفع علم سنغافورة بالقرب من المنطقة.
وحذر السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الأحد، من أن أي تصعيد إيراني سيقابله رد من الرئيس ترامب، قائلاً في مقابلة مع برنامج" فوكس نيوز صنداي": " إذا اعتقد النظام الإيراني للحظة أن الرئيس ترامب سيقف متفرجاً بينما تواصل إيران مهاجمة الملاحة الدولية من دون رد، أو تستهدف قواعدنا من دون رد، فهو مخطئ تماماً".
وتوحي التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط بأن نبرة الانتصار التي أبداها ترامب عند إشادته بمذكرة التفاهم، وهي إطار عمل مكون من 14 نقطة لتهدئة القتال والتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن جميع القضايا خلال 60 يوماً، كانت سابقة لأوانها.
كما أثارت الحرب وتداعياتها تساؤلات بشأن مدى فهم الإدارة الأمريكية للعوامل السياسية والتاريخية التي تحرك النظام الإيراني، ولأساليبه التفاوضية المتشددة المعتادة.
فوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط لا يعني غالباً توقف جميع العمليات العسكرية، بل يضع سقفاً يمنع العودة إلى حرب شاملة.
كما أن الحروب في المنطقة كثيراً ما تعزز نفوذ أجيال جديدة من المتشددين، مثل أولئك في إيران الذين قد يقودون حالياً جهود ترسيخ نفوذ بلادهم الجديد في مضيق هرمز.
وتوقع مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في إدارة الرئيس جو بايدن، جيك سوليفان، أن تكون التطورات الأخيرة مقدمة لمرحلة مشحونة بالتوتر خلال سير المفاوضات.
ورغم أن فريق الرئيس ترامب لن يرحب على الأرجح بنصائحه، فإن سوليفان كان خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما من أبرز المسؤولين الذين لعبوا دوراً محورياً في المراحل الأولى من المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق الدولي بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهو الاتفاق الذي انسحب منه ترامب خلال ولايته الأولى.
وقال سوليفان، في مقابلة مع برنامج فريد زكريا على شبكة CNN، متوقعاً بدقة ما جرى لاحقاً ذلك المساء: " الإيرانيون يندفعون لفرض سيطرتهم على المضيق، لتذكير العالم بأنهم يسيطرون على ذلك الممر المائي، ثم يتراجعون عندما تعترض إدارة ترامب بقوة كافية، لأنهم يريدون الاستمرار في جني المكاسب الكبيرة التي حققوها من مذكرة التفاهم".
وأضاف: " أما فيما يتعلق بالملف النووي، فأعتقد أنهم سيقدمون تنازلات محدودة جداً وبشكل تدريجي، ثم يتراجعون عنها، ثم يعيدون طرحها، ثم يسحبونها مجدداً، بهدف إبقاء الولايات المتحدة على طاولة المفاوضات".
واعتبر أن فرص تحقيق تقدم ملموس خلال مهلة الستين يوماً تبدو محدودة.
نهاية الحرب لا تزال مفتوحةومن المرجح أن تؤدي المواجهات المتجددة في الشرق الأوسط إلى إشعال الخلافات الحزبية في واشنطن مجدداً بشأن مذكرة التفاهم.
فقد قلل السيناتور الجمهوري عن ولاية كانساس، روجر مارشال، من أهمية الاشتباكات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، قائلاً: " الحرب الكبرى انتهت، وما نشهده الآن لا يعدو كونه مجرد عمليات استكمال بعد انتهاء المعارك"، في إشارة إلى حرب لا تحظى بشعبية داخل الولايات المتحدة.
وأكد، خلال مقابلة مع شبكة NBC، أن واشنطن تحقق" تقدماً كبيراً" على المسار الدبلوماسي.
في المقابل، يُصوّر الديمقراطيون مذكرة التفاهم التي توصل إليها ترامب على أنها هزيمة مُذلة للولايات المتحدة، ولا ترقى إلى مستوى ادعاءاته بأنه نجح في إنهاء الصراع.
كما قد تؤجج هذه التطورات الجدل المحتدم داخل الكونغرس بشأن صلاحيات الرئيس في إعلان الحرب، والأساس القانوني الذي استند إليه ترامب لبدء الحرب، وهو أمر أثار أيضاً قلق بعض الجمهوريين.
وستكون للتطورات المقبلة في الشرق الأوسط تداعيات سياسية واستراتيجية كبيرة.
ويبقى السؤال الجوهري هو ما إذا كانت المواجهات حول مضيق هرمز ستظل ضمن مستوى يمكن احتواؤه، أم أنها ستتفاقم لتقوض مذكرة التفاهم بالكامل، وتنسف المسار الدبلوماسي، وتعيد المنطقة إلى حرب شاملة.
وسيختبر ذلك رغبة ترامب الواضحة في عدم إطالة أمد صراع تحول إلى عبء سياسي كبير عليه.
لكن استمرار التحديات الإيرانية سيضع ضغوطاً متزايدة على رئيس ترتكز صورته السياسية على إظهار القوة وإبراز النفوذ الأمريكي على الساحة الدولية.
وفي نهاية المطاف، قد تثبت العودة إلى المسار الدبلوماسي صحة توقعات جيك سوليفان بأن المفاوضات ستكون طويلة وشاقة.
وحتى إذا نجحت الأطراف في إعادة إرساء سلام هش، فمن غير المرجح أن يجد ترامب مخرجاً سهلاً من هذه الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك