وسط ركام المباني التي دمرتها الحرب، يجلس الفنان أحمد مهنا ممسكاً بقطعة فحم سوداء صغيرة، مستخرجة من بقايا حطب الطهي، يتعامل معها بحرفية عالية كما لو كانت قلم رصاص فاخراً من درجات 6B التي اعتاد الرسم بها.
جلسة أحمد وثبات يده يوحيان بأنه فنان محترف يعرف تماماً كيف يبدأ خطوطه الأولى وكيف ينهيها، تلمس أصابعه المتسخة بالسواد سطح صندوق كرتوني حصل عليه من المساعدات الإنسانية، ويبدأ في رسم لوحة فنية جديدة.
أحمد فنان تشكيلي يمتلك وعياً بصرياً حاداً، يجلس وسط الخراب ليمارس شغفه بالرسم، مشهده أمام الركام يرسم على كرتون المساعدات بواسطة فحم أسود يخلق صورة مذهلة تعبر عن معجزة الفن في زمن الحرب.
الفحم الذي يمسكه أحمد بين أصابعه هو في الأصل نتاج بقايا رماد حطب يشعل بشق الأنفس لطهي القوت اليومي، يطوع الفنان سواده ليصنع ظلالاً تعبر عن عمق المأساة في غزة.
خلف مرسم أحمد، أزمة شلت المشهد الثقافي والفني في غزة، إذ تسببت العمليات البرية للجيش الإسرائيلي في تدمير مخازن ومحال أدوات الرسم، وتسبب الحصار الصارم على القطاع في منع دخول القرطاسية.
مع مرور أعوام الحرب، نفدت المواد الفنية والتعليمية، ولم يتبق شيء من لوحات كانفا القماشية على رفوف المكتبات، وجفت أنابيب الألوان الزيتية والمائية والأكريليك، وتآكلت الفرشاة بين أيدي التشكيليين من دون أي بديل تجاري.
شكل غياب أدوات الرسم تحدياً أمام الفنانين في غزة، إما الاستسلام وعدم إنتاج لوحات أو التحدي والإبداع وتوصيل معاناة الغزي للعالم.
كان أحمد في فترة العمليات العسكرية مشغولاً في التركيز على حماية أسرته وتأمين قوتها اليومي، وأثناء جلسة مسائية سرح تفكيره في جملة واحدة مكتوبة بالخط العريض على صناديق المساعدات الإغاثية وهي عبارة: ليس للبيع أو للبدل.
يقول" بقيت العبارة في ذهني بصورة غريبة لا تفارق تفكيري، شعرت برغبة عارمة في الصراخ ولكن عبر أدوات الفن، أوحت لي تلك الجملة بالرسالة الحقيقية التي يجب أن يفهمها العالم وهي أننا كفلسطينيين لسنا للبيع أو للبدل، وكذلك قضيتنا وثوابتنا الإنسانية وتاريخنا".
لم يجد أحمد لوحات رسم في مكتبات غزة، اختيار صندوق المساعدات كان خياراً محملاً برسائل، يضيف" جعلت من الكرتون البني الخشن المطبوع عليه شعارات الهيئات الدولية والأممية الذي يدل على الإغاثة والانتظار والاعتماد المطلق على المعونات الخارجية، لوحات تعتبر شاهدة عيان تنبض بتعبيرات الصمود والكرامة".
يتذكر مهنا تفاصيل الليلة الأولى التي بدأ فيها بالرسم بالطريقة الاستثنائية قائلاً" في ليلة شهدت قصفاً قاسياً للغاية، وجدت نفسي مشحوناً بمشاعر الخوف، لم يكن أمامي سوى كرتونة مساعدات، مددت يدي والتقطت قطعة فحم كانت ملقاة إلى جانب موقد الحطب البدائي الذي نستخدمه لإعداد الطعام، وبدأت أخط بعفوية ملامح طفلة صغيرة تحمل غالون ماء ثقيلاً".
من تلك اللوحة الأولى، توالت الرسومات مستلهماً تفاصيلها مباشرة من المشاهد الصادمة التي يعيشها الفنان في مخيمات النزوح.
استخدام أحمد بقايا احتراق الأخشاب للرسم لم يأت من فراغ، إذ باتت أقلام الفحم نادرة جداً، يقول" عندما تنفد الألوان، لا تنفد الأفكار، غياب الأدوات لا يعني غياب الإبداع أو توقف الرسالة".
أكثر ما يخيف الفنان أن صناديق المساعدات الكرتونية الفارغة نفسها أصبحت مادة شحيحة جداً يتنافس عليها السكان، يتابع" يفضل النازحون إحراقها واستخدمها لطهي الطعام الساخن في ظل الانقطاع التام لغاز الطهي، بدلاً من تركها لي لإنتاج لوحات يتأملونها وهم يتضورون جوعاً".
يواجه أحمد في رسم لوحاته تحدياً مختلفاً عما يتعرض له أي فنان، يشرح" من الناحية التقنية تمتص أسطح هذه الكراتين الخشنة والداكنة ذرات الفحم بسرعة، وتتطلب دقة فائقة في توزيع درجات التباين".
في محيط خيمته، يتحول مرسم الفنان الصغير إلى مساحة دعم نفسي واجتماعي يومية عندما يجتمع حولها عشرات الأطفال والنازحين لمراقبة ولادة هذه اللوحات.
يرسم ما يراه ويسمعه من المخيم على الصناديق كوسيلة لربط الأمل بالألم، يشرح" المساعدات الغذائية تمنح الأمل لكل أسرة تعاني الجوع، وحين يرى النازحون هذه الكراتين وهي تتحول إلى ملامح حية لقصصهم، يحدث نوع من التفريغ النفسي للصدمات".
ويوضح أن النازحين يكتشفون أن الكرتونة التي حملت طعامهم يمكنها أيضاً أن تحمل أحلامهم وقصص بقائهم، وهذا يعيد إليهم جزءاً من الأمان المفقود".
لا يرسم أحمد من نسج الخيال، وبخاصة أن مرسمه المفتوح والمكشوف في مخيم النازحين بدير البلح يجعله يعاين ويعايش تفاصيل المعاناة الإنسانية لحظة بلحظة.
تنقسم مواضيع رسوماته إلى ثلاثة مصادر إلهام رئيسة، أولها طوابير المعاناة اليومية الشاقة، حيث وثق بريشته الفحمية أطفالاً يحملون غالونات مياه بلاستيكية تفوق قدراتهم الجسدية النحيلة، وأطفالاً يصطفون بالأواني الفارغة لساعات طويلة بانتظار دورهم في تكيات الطعام الإغاثية.
والمصدر الثاني هو البورتريهات الشخصية المقربة جداً لوجوه حقيقية يعيش معها في خيم اللجوء، كوجوه أمهات وجدات مسنات يرتدين الثوب الفلسطيني التاريخي بملامح يمتزج فيها الحزن بالأنفة.
أما المصدر الثالث فيتجلى في جدارياته الجماعية التي صور فيها حشوداً بشرية متلاحمة تصرخ وتستغيث.
وجدت لوحات أحمد حفاوة شعبية من قبل النخب الثقافية والنازحين على حد سواء، إذ شكل استخدامه صناديق المساعدات والفحم إعادة صياغة الوعي الجمعي تجاه طرود الإغاثة.
من الخيمة إلى شاحنة الـ" WFP"في ذروة عمليات النزوح والقصف، التفت موظفون أجانب يتبعون لبرنامج الأغذية العالمي إلى القيمة الفنية والتوثيقية الاستثنائية للوحات المرسومة على الكراتين.
وأمام الخوف الحقيقي من تلف هذه الأعمال الحساسة أو ضياعها في الخيم أو حتى احتراقها كوقود بديل للطهي، تولى هؤلاء الموظفون نقل 40 لوحة كرتونية أصلية وحمايتها بعناية فائقة داخل أمتعتهم الشخصية وسياراتهم الدبلوماسية إلى خارج القطاع.
وصلت لوحات أحمد إلى الخارج ومباشرة تبناها البرنامج الدولي بالتعاون مع قسم المساعدات الإنسانية في الاتحاد الأوروبي لإنشاء" معرض متنقل" فريد من نوعه.
جهز للمعرض شاحنة ضخمة متطورة عرضت فيها لوحات أحمد المرسومة على ورق كرتون المساعدات باستخدام الفحم، ثم طافت تسع دول أوروبية و16 مدينة كبرى، من بينها بروكسل وروما وبرشلونة وبون ومالمو.
تقول المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي علياء زكي" صناديق برنامج الأغذية العالمي البيضاء المكتوب عليها باللون الأزرق أصبحت بمثابة طوق نجاة حقيقي للعائلات في قطاع غزة.
هذه الصناديق الكرتونية كانت تستخدم تاريخياً لنقل الغذاء الأساسي والإغاثة، قام الفنان أحمد مهنا بتحويلها ببراعة إلى وسيلة للتعبير ورسالة بصرية في آن واحد، لتصبح هذه الكراتين شواهد حية وباقية على الكارثة الإنسانية المستمرة في القطاع".
أما أحمد يعقب" عندما تنقلت لوحاتي بين المدن الأوروبية، لم ير الجمهور الغربي مجرد ألوان وخطوط، بل شاهدوا حقيقة مأساتنا منسوجة بجهد بشري صادق".
ويكمل" الفن لغة عالمية يفهمها الجميع بالقلب قبل العين، وقطعة الفحم نجحت في إيصال صوت أطفالنا الذين يبحثون عن الأمان والحياة الكريمة بطريقة أسرع وأعمق من خطابات السياسيين".
خلقت جولة المعرض المتنقل في العواصم الأوروبية تفاعلاً إنسانياً واسعاً من قبل الجمهور، وعبّر زوار المعرض عن ذهولهم من قدرة فنان محاصر على إنتاج فن احترافي شاهق بأدوات بدائية كالفحم.
تقول مسؤولة الاتصال في مكتب برنامج الأغذية العالمي في بروكسل كارولين فان نسبن" الهدف الأساس من وراء تبني هذا المعرض وتسييره في المدن الأوروبية هو زيادة الوعي العالمي بأزمة غزة الإنسانية العميقة، وطبيعة الاستجابة التي نقدمها".
وتضيف" الفن ظل دائماً لغة عالمية تتخطى الحدود واللغات السياسية وتخاطب وجدان البشر مباشرة، هذا المعرض ساعدنا بصورة ملموسة على نقل الواقع الميداني الصعب على الأرض، وجعل الزوار الأوروبيين يقضون ساعات في حوار ونقاش حول قصص البقاء والصمود التي ترويها اللوحات".
الاهتمام المحلي والدولي بلوحات أحمد جعل إسرائيل تشعر بالإحراج، إذ تعد هذه اللوحات نتاجاً مباشراً للقيود المشددة التي تفرضها تل أبيب على دخول مواد القرطاسية.
يقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي" هذا إجراء ضروري لضبط المعابر وحصر التدفق على المواد الإغاثية الأساسية فقط".
وعلى الصعيد التحليلي تنظر أوساط إعلامية إسرائيلية إلى المعرض الذي تبناه برنامج الأغذية العالمي ونظمه في أوروبا ضمن أدوات الحرب النفسية والبصرية وتوجيه الرأي العام الدولي ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك