باستثناء ما ورد عنها في كتاب" بين كتبة وكتاب" للمستعرب الفرنسي ريشار جاكمون، الذي ترجمه إلى العربية بشير السباعي، لا نكاد نعثر على تحليل لدور المجلة في تغيير الذائقة وطبيعة المواضعات الأدبية التي سعت إلى تحقيقها.
صحيح أن هناك إشارات في غاية الأهمية حول المجلة، كتبها الناقدان محمد بدوي وحسين حمودة في رسالتيهما لنيل درجة الدكتوراه، وكذلك الناقد غالي شكري في ما كتبه حول الثورة المضادة أو النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث، أو ما رصده الشاعر شعبان يوسف في كتابه" تاريخ الثقافة المصرية".
لكن الكتاب الصادر أخيراً للشاعر محمد رياض تحت عنوان" رقصة مباحة في مستطيل صغير.
قصة غاليري 68"، يذهب إلى تحقيق غاية أخرى في النظر إلى المجلة، والسياق الذي أوجدته، كلحظة تحليق خارج السرب، ومواجهة أفعال الاستلاب التي يتزايد تأثيرها، بفضل تنامي قيم السوق الأدبي وتفاعلاته في السياق الحالي، إذ تسود صور الاستهلاك.
بشرت" غاليري 68" بـ" جيل الستينيات الأدبي"، وكانت" حقلاً تجريبياً فريداً من نوعه في محيط الأخطار والكوارث"، لكنها لم تستمر طويلاً.
وعلى رغم ذلك ظل أثرها باقياً إلى الآن، " فهي تفجر -كما يقول رياض- السؤال الذي لا يموت: سؤال المقاومة، أو السؤال الذي نسيناه حتماً في حياتنا اللاهثة على الدوام: سؤال الحرية".
كانت المجلة ملهمة لتجارب ومطبوعات جاءت بعدها من هامش الحركة الأدبية، مثل" جمعية كتاب الغد"، أو ظاهرة مجلات" الماستر" التي قدمت شعراء السبعينيات في مصر، ومجلات كثيرة مثل" الكتابة الأخرى" و" أمكنة" بعد ثلاثة عقود.
يستمد الكتاب عنوانه الفرعي من قصة شهيرة بعنوان" الرقصة المباحة" ليحيى الطاهر عبدالله، الذي يعد ألمع كتاب القصة في الجيل الذي بشرت به المجلة، وهو شاعر القصة القصيرة.
يفسر العنوان هيمنة اللغة الحافلة بالمجاز على طبيعة السرد داخل الكتاب، فهو سرد قصصي خلاب غير مكبل باللغة التقريرية التي نعثر عليها في الكتابة التوثيقية المعتادة.
وينحاز إلى لغة تبتكر نسيجها الخاص وتربط بين أصوات متعددة، بعضها يأتي من المقابلات التي يجريها المؤلف مع مصادره استجابة لمناهج التاريخ الشفهي وعمليات الاستقصاء، وأصوات أخرى تأتي من المصادر الموثقة، إلى أن نصل إلى التحليل وإعادة بناء اللحظة التاريخية محل البحث في بناء جديد متكامل.
ينحاز المؤلف في الأجزاء الأولى من الكتاب إلى كتابة بورتريهات لكل اسم من بين الأسماء التي قدمتها المجلة عبر أعدادها المختلفة: أمل دنقل، ويحيى الطاهر، وغالب هلسا، وإبراهيم أصلان وآخرين.
ثم يروي حكايات بعضهم في الأجزاء الأخيرة تأكيداً لشعور يسكنه حول" التراجيديا الدموية في عقد الستينيات الرهيب"، كاشفاً عن الصعوبات التي رافقت الصعود الأدبي لتلك الأسماء المؤثرة، عبر تفكيك السياق التاريخي الذي أفرز ظاهرة كبيرة اسمها أدباء الستينيات.
على الصعيد السياسي سادت نهاية عقد الخمسينيات في مصر، حملات الاعتقال، بعدما جرى تأميم ساحة السياسة بالكامل.
وتنامت صور الرقابة كافة بطريقة حولت الأدب إلى فضاء بيروقراطي، وكُبل الوسط الأدبي بالسيطرة الشاملة على كل منابر النشر والإعلام.
وكذلك فُرضت هالة من التقديس حول القمم الفكرية والإبداعية، بحيث بدا كل شيء محكوماً ومنضبطاً ومتماسكاً في كيان الأمة التي تواجه أعداءها في الداخل والخارج.
وكان ذلك نذيراً بكارثة الهزيمة العسكرية في يونيو (حزيران) 1967.
على رغم ذلك فإن مكاسب تقدمية أخرى حققها نظام الضباط الأحرار بعد عام 1952، تمثلت في قرارات تأميم قناة السويس 1956 والإصلاح الزراعي، وقوانين التأميم الاقتصادي التي خلقت مكاسب اجتماعية لمصلحة الطبقات الوسطى والطبقات الأشد فقراً.
ومن بين تلك الطبقات جاءت غالبية الأسماء التي قدمتها مجلة" غاليري 68"، وكلها استفادت من هذا الحراك الاجتماعي، وأرادت التعبير عنه فنياً والتحايل على صور الرقابة كافة باكتشاف آفاق جديدة للكتابة.
يصف رياض هؤلاء بأدباء الجيل المأزوم الذين كان قدرهم معايشة الصراع المحتدم بين معسكرين، كلاهما يرفع أهدافاً تقدمية مثل الثورة واليسار.
لذلك تراوح الصراع بين المعارضة الجذرية إلى حد الشهادة والاندماج الكامل حتى المحو.
وهكذا ظل الشيوعي شهدي عطية الشافعي (1911 - 1960) شهيداً، بينما بقي جمال عبدالناصر بطلاً قومياً وأباً روحياً وزعيماً عربياً على رغم الهزيمة.
لم تمنع تلك المفارقة وغيرها، من وجود سياسة ثقافية رسمية أدت إلى ازدهار ثقافي حقيقي، اعتمد على الأجيال التي صنعت اسمها في الحقبة شبه الليبرالية التي سادت خلال فترة الحكم الملكي لمصر قبل عام 1952، من أمثال العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي ونجيب محفوظ ومحمود أمين العالم وعلي الراعي.
وأوجدت ثورة يوليو (تموز) 1952 أجهزة رسمية قدمت الخدمة الثقافية بقدر وافر من العدالة.
لكن جيل الستينيات ظل على رغم ذلك" أكثر قرباً وقدرة على رصد المتغيرات والتحولات التي تعيشها مصر في ظل النظام الناصري والتنبؤ بالهزيمة العسكرية التي حطمت المشروع كله".
يشرح رياض كيف ولدت" غاليري 68" في سياق حافل بالغضب، إذ لم يستطع النظام المهزوم السيطرة على غضب الطلاب أو العمال في تظاهرات المطالبة بمحاكمة القادة العسكريين الذين تسببوا في الهزيمة، وتحول الغضب ذاته إلى لحظة عالمية اتسعت لتشمل مصادر ودوافع أخرى.
ففي تلك الأثناء اندلعت حرب فيتنام، وتأججت نيران الغضب بين شباب العالم ضد مجتمع الرأسمالية البغيض وأدواته العسكرية في العالم، وبرزت الأفكار الراديكالية عن الكفاح المسلح، وظهر اليسار المتطرف في عدة بلدان أوروبية.
والثابت تاريخياً أن القضايا التي شغلت الشباب الغاضب في مصر، اختلفت عن تلك التي صنعت ثورات الشباب في العالم عام 1968، إذ كانت الظروف أسوأ كثيراً في مصر، بسبب القمع الأمني واحتلال سيناء والانهيار النفسي العام.
لذلك، اتخذت الكتابة صوراً أدبية حافلة بحساسيات مختلفة، وعلى رغم ابتعادها من السياسة بالمعنى المباشر، فإنها دفعت السلطة إلى التوجس منها ومحاولة استيعاب أصحابها لاحقاً.
يوضح الكتاب كيف وجدت الكتابة الجديدة مساحة لها في المطبوعات الرسمية بسبب نزاهة أسماء مثل الكاتب الرائد يحيى حقي في مجلة" المجلة"، أو المساحة التي أوجدها المبدع عبدالفتاح الجمل في الملحق الأدبي لصحيفة" المساء"، إلى جانب وجود نقاد اتسمت كتاباتهم بالنزاهة مثل أنور المعداوي.
ولم يكن اليسار الرسمي بعيداً من المشهد بفضل سياسات التحرير في مجلتي" الطليعة" و" الكاتب".
لم يكن لدى هؤلاء المبدعين الجدد إلا الأحلام والتطلعات إلى كتابة مختلفة منحتهم شرعية الوجود وشرعية الكلام والاقتحام والتفكير، في مجلة جديدة تتسع لـ" الرقصة المباحة".
وقد تمثلت في إصدار مجلة صغيرة الحجم ذات قطع صغير، خرجت من جلسة في مقهى" ريش"، ساحة الإقامة المفضلة لدى هؤلاء المتحلقين حول نجيب محفوظ في ندوته الأسبوعية أو على مقربة منه.
المفارقة التي يلتفت إليها رياض أن المقهى كان آنذاك منطقة محررة من تراث البرجوازية الآفلة، في حين أنه أصبح اليوم، وكما يقول، " مملاً وخالياً من الروح بعدما استردت البرجوازية إرثها المارق، ولم تعد تشبه نفسها قبل نصف قرن من الآن".
ربما كان هذا القطع، كما يشير، هو" المساحة المتروكة أو المنتزعة لهؤلاء الفتيان، لا ليقولوا كلمتهم فحسب، بل ليمارسوا لعبة الهذيان في وجه الصرامة المهزومة".
كانت القاهرة في تلك الأعوام منفى المبدعين العرب من مثقفي اليسار مثل غالب هلسا وعبدالوهاب البياتي ومصطفى الحلاج، إضافة إلى آخرين قدموا للدراسة مثل الكويتي محمد الشارخ.
تزامن صدور العدد الأول من" غاليري 68" في مايو (أيار) 1968 مع ثورة الطلاب داخل فرنسا.
وهي الثورة التي اكتسبت رمزية ملهمة في تاريخ الحركات الشبابية، بعدما تحولت إلى ظاهرة عالمية تواجه صور التسلط والسلطة الأبوية كافة، وتقف ضد الوضعيين الجدد ومجتمعات الاستهلاك، وتبحث في الإنسان ذي البعد الواحد.
لم تصدر المجلة سوى ثمانية أعداد على مدار ثلاثة أعوام، وخلال تلك المدة لعب الكاتب الصحافي الراحل إبراهيم منصور الدور الأبرز في حفز زملائه على إصدارها، لتصبح عنواناً للاتجاهات الأدبية الجديدة في ذلك الوقت.
فهو من حصل على ترخيص مجلة قديمة بمبلغ زهيد من ورثتها، ونجحت وساطة إدوار الخراط مع الكاتب يوسف السباعي، ممثل السلطة في الثقافة، لغض طرف السلطة عن المجلة بوصفها غير مسيسة.
لعب كبار، أمثال نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبدالفتاح الجمل، أدواراً في دعمها بتبرعات مالية.
وقدم محفوظ وحده 50 جنيهاً على سبيل التبرع، وهو مبلغ كبير بمقياس ذلك الزمان، وتبرع لها صلاح عبدالصبور وسعد الدين وهبة وغيرهما.
وكان يحيى حقي الأكثر إيماناً من بين الرواد بحق المبدعين الجدد في كتابة أدب جديد، وكتب مقولته الشهيرة: " مهما يكن الرأي في هذا الأدب، فمن الخير أن نفسح له صدورنا، فلو نبذناه في محجر صحي، فمات، ولتعالت صرخاته بأنه قضى شهيداً ناقص عمر، ينبغي أن نرخي له الحبل لنرى، ويرى هو معنا إلى أين يسير في الأرض أو العمر.
ويكون الفصل بيننا وبينه في يده، ولا ظلم.
يقبل معنا قدره إذا تعثر وانتهى، ونقبل معه قدره إذا انطلق وعاش، وربما يكون الأصدق في الحكم عليه هو جيل لم يبزغ بعد".
وضعت هيئة تحرير" غاليري 68" سياسة نشر تقوم على وحدة الفنون وتجاور الصور الإبداعية، وهي أهداف لم تتحقق بقدر كبير.
وتولى التشكيلي الشاعر أحمد مرسي رئاسة تحريرها صورياً، وأسهم في تجهيزها فنياً، وأشرف على تنظيم معرض لأعمال تشكيلية مُوِّل من عائد بيع المجلة، التي لم يكن إصدارها لدوافع سياسية على الإطلاق، وإنما كانت تبحث عن" التجريبية في الإبداع".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ما يؤكده الكتاب أن المجلة تبدو بريئة، إلى درجة يصعب تصديقها.
فهي لم تنطلق من برنامج أو شعارات معلنة، ولم تكن تستهدف التكريس لاتجاه بعينه.
ولم تعاد أحداً على الإطلاق، وكتبت على غلافها الخلفي: " ما تنشره المجلة لا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة تحريرها.
فهي لا تصدر عن جماعة مغلقة على ذاتها، ولا تقتصر على كتاب بعينهم، بل تفتح صدرها في ترحيب كامل بكل تجربة طليعية جديدة".
وتبادل كتاب عديدون كتابة افتتاحية أعداد المجلة، ومنهم إدوار الخراط وأحمد مرسي.
ويشير رياض إلى أن مراجعة مواد المجلة توضح أنها كانت تجنح إلى اليسار بشدة، وإن حاولت خلق توازنات تبدو مستحيلة بين الاستقلال والأمن والفن والالتزام.
لكن المجلة سعت عبر الفنان التشكيلي حسن سليمان إلى ضرب الواقعية الاشتراكية الأولى، ورؤيتها الواحدة وجمودها الصارم.
ونشر إبراهيم فتحي وغالب هلسا وخليل كلفت مقالات ترفض الواقعية القديمة وتتحدث عن واقعية جديدة تواجه" اليسار المزيف" بتعبير فتحي.
وهو اليسار الذي دخل في معارك ضد نقاد آخرين، من بينهم صبري حافظ وغالي شكري.
وهذا مما يؤكد أنها كانت ساحة للمنازعات أكثر من الاتفاق، وقد نشرت كثيراً من المواد الإبداعية التي أثارت اهتماماً واسعاً بين كتاب القصة القصيرة والشعر، إذ جمعها ملمح مشترك هو الاغتراب الإيجابي بحسب إحدى افتتاحياتها.
أحدثت" غاليري 68" أصداء واسعة في الحركة الثقافية، وقوبلت بمقالات ترحيبية كتبها محمد عودة وأحمد عبدالمعطي حجازي ومحمود أمين العالم، وأحمد حمروش وغالي شكري.
ورحبت بها الصحافة اللبنانية ممثلة في الملحق الأدبي لصحيفة" النهار" ومجلة" شعر".
غير أنها توقفت في فبراير (شباط) 1971 لأسباب أرجعها فاروق عبدالقادر لانعدام الموقف الواضح، بل إنه أكد سقوط المجلة في يد يوسف السباعي، ممثل الأجهزة الرسمية، بعدما عجز الأدباء عن تمويلها، فارتضوا التعامل مع السباعي بشخصه وليس لمنصبه.
لكن النهاية كانت محتومة، فالتوازنات التي حاولت" غاليري 68" أن تصنعها وتفرضها بين الحرية الإبداعية في أقصى اتساعها، وبين الالتزام والانضواء تحت راية الكفاح، باتت مستحيلة بالفعل.
كما أن المجلة، من وجهة نظر محمد رياض، تفجرت من الداخل وسقطت ضحية العراك بين الأيديولوجيات، على رغم ادعائها بالنأي عن أي أيديولوجيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك