لم تعد البذور مجرد مدخل من مدخلات الإنتاج الزراعي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز ملفات الأمن الغذائي في سوريا.
فبعد سنوات من تراجع إنتاج البذور المحلية وتضرر مراكز البحوث ومحطات الإكثار، اتسع الاعتماد على الاستيراد لتأمين احتياجات المزارعين من القمح والبطاطا والخضراوات، ما جعل القطاع الزراعي أكثر ارتباطاً بتقلبات الأسواق العالمية وسلاسل التوريد.
وفي المقابل، بدأت خلال الأعوام الأخيرة محاولات لإعادة بناء منظومة إنتاج البذور المحلية، عبر برامج تنفذها وزارة الزراعة بالتعاون مع منظمات دولية، بهدف استعادة الأصناف السورية، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتعزيز قدرة البلاد على تحقيق أمنها الغذائي.
فكيف وصلت سوريا إلى هذه المرحلة؟ وما حجم اعتمادها على البذور المستوردة؟ وهل تستطيع استعادة إنتاجها المحلي خلال السنوات المقبلة؟ هذا ما يحاول التقرير الإجابة عنه، بالاستناد إلى بيانات وزارة الزراعة السورية، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، والبنك الدولي.
من أين تأتي البذور التي يزرعها السوريون؟لم يعد سوق البذور في سوريا يعتمد على الإنتاج المحلي وحده، بل بات يرتكز على شبكة واسعة من الموردين الدوليين، تتوزع أدوارهم بين تزويد المحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح، وتوفير تقاوي البطاطا وبذور الخضراوات والأشجار المثمرة، في ظل تراجع الإنتاج المحلي خلال سنوات الحرب.
وتظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) أن هولندا تتصدر قائمة موردي تقاوي البطاطا إلى سوريا، إذ تُعد المصدر الرئيس لأمهات التقاوي المستخدمة في إنتاج البطاطا، لما تتمتع به من إنتاجية مرتفعة وتجانس في حجم الدرنات، وهو ما يجعلها الخيار الأكثر انتشاراً لدى المزارعين.
أما تركيا، فتحتل موقعاً مهماً في سوق البذور السورية بفضل قربها الجغرافي وسهولة النقل، إذ توفر بذور محاصيل مثل الشمندر السكري والذرة الرعوية الهجينة، إلى جانب شتلات الأشجار المثمرة، بما يسهم في سد جزء من احتياجات السوق المحلية.
وفي قطاع القمح، برزت روسيا خلال السنوات الأخيرة بوصفها أحد أهم مصادر التوريد، بعدما انخفض الإنتاج المحلي إلى نحو 1.
2 مليون طن، أي أقل بأكثر من 60% من مستوياته الطبيعية، وفق تقرير منظمة الأغذية والزراعة الصادر في شباط 2026.
وتُقدَّر احتياجات سوريا من استيراد القمح خلال الموسم التسويقي 2025-2026 بنحو ثلاثة ملايين طن، ما يجعل الواردات الروسية أحد أهم مصادر تغطية هذا العجز.
ولا يقتصر الاعتماد على هذه الدول، إذ تستورد سوريا أيضاً بذوراً هجينة للخضراوات من شركات أوروبية وآسيوية، خاصة لمحاصيل الطماطم والخيار والباذنجان، بالتزامن مع توسع الزراعة المحمية وارتفاع الطلب على هذه الأصناف في الأسواق المحلية والإقليمية.
يوضح الرسم البياني التالي خريطة أبرز الدول والشركات الموردة للبذور إلى سوريا، وحصة كل منها في السوق المحلية، استناداً إلى بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
لماذا تثير البذور المستوردة كل هذا الجدل؟كل موسم زراعي يعيد الأسئلة نفسها إلى الواجهة: هل البذور المستوردة آمنة؟ ولماذا لا يستطيع المزارع الاحتفاظ بجزء من محصوله لإعادة زراعته في الموسم التالي كما كان يفعل مع البذور البلدية؟وتشير البيانات الفنية الصادرة عن المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن غالبية البذور المستوردة المستخدمة في سوريا تنتمي إلى فئة البذور الهجينة من الجيل الأول (F1 Hybrid)، وهي أصناف طُورت لتمنح أعلى إنتاجية ومقاومة أفضل للأمراض خلال الموسم الأول.
لكن هذه البذور لا تحتفظ بخصائصها الوراثية عند إعادة زراعتها، إذ تتراجع إنتاجيتها وتختلف صفاتها في الجيل التالي، ما يدفع المزارعين إلى شراء بذور جديدة مع كل موسم.
وتؤكد المنظمات الزراعية أن هذه الخاصية لا ترتبط بسوريا وحدها، بل تُعد نموذجاً عالمياً تتبعه شركات إنتاج البذور الهجينة، ولا تعني أن هذه البذور خضعت لتعديلات تستهدف المستهلك أو البيئة الزراعية.
وفي مقابل هذه المخاوف، تخضع جميع شحنات البذور المستوردة إلى إجراءات رقابية قبل دخولها الأسواق السورية.
وتنص لائحة الحجر الصحي النباتي، الصادرة بموجب القرار الوزاري رقم 21 لعام 1991، على إلزامية إرفاق شهادة منشأ وشهادة صحية نباتية مع كل شحنة، إضافة إلى إخضاعها لفحوص مخبرية للتأكد من خلوها من الأعشاب الضارة والآفات الحجرية والأمراض النباتية.
وتوضح بيانات" إيكاردا" أن هذه الإجراءات تشكل خط الدفاع الأول لحماية القطاع الزراعي، إذ تمنع انتقال الآفات عبر البذور المستوردة، وتضمن مطابقتها للاشتراطات الفنية قبل توزيعها على المزارعين.
ويبين الرسم البياني التالي نتائج عمليات الحجر الصحي النباتي على شحنات البذور المستوردة، ونسب الشحنات التي أُجيز دخولها أو خضعت لفحوص إضافية أو رُفضت لعدم مطابقتها للاشتراطات الفنية.
كيف تحاول سوريا استعادة بذورها المحلية؟لم يقتصر التعامل مع أزمة البذور في سوريا على تأمين الاحتياجات عبر الاستيراد، بل شهدت السنوات الأخيرة إطلاق برامج تستهدف إعادة بناء منظومة إنتاج البذور المحلية، بعد الأضرار التي لحقت بمراكز البحوث ومحطات الإكثار خلال سنوات الحرب.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بنحو 60% بين عامي 2011 و2024، فيما تجاوزت فاتورة استيراد الغذاء 1.
8 مليار دولار سنوياً، ما جعل تطوير إنتاج البذور محلياً جزءاً من جهود أوسع لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج.
وفي هذا الإطار، أعلن المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، في تقريره الصادر في 23 نيسان 2026، تزويد الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية والمؤسسة العامة لإكثار البذار بـ1625 كيلوغراماً من بذور الأجيال المبكرة لمحاصيل الحبوب والبقوليات، شملت أصنافاً سورية مثل" دوما 1" و" دوما 3" و" شام 5" و" شام 9".
كما أشار التقرير إلى إنشاء سبع محطات لإكثار البذور في مراكز البحوث الزراعية لإنتاج بذور معتمدة ونظيفة.
ولم تقتصر الجهود على إنتاج الأصناف الجديدة، إذ استعادت سوريا أيضاً جزءاً من أصولها الوراثية المحفوظة في القبو العالمي للبذور في سفالبارد بالنرويج، لتعود هذه العينات إلى برامج البحث والإكثار بعد سنوات من حفظها خارج البلاد، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على التنوع الوراثي للمحاصيل السورية وتعزيز قدرتها على مواجهة الجفاف والتغيرات المناخية.
وفي قطاع البطاطا، بدأت وزارة الزراعة تنفيذ مراحل المشروع الوطني لإنتاج البذار محلياً، عبر زراعة عشرات الآلاف من الشتلات النسيجية في محافظتي حلب وطرطوس لإنتاج درنات خالية من الأمراض الفيروسية، بما يتيح توفير تقاوٍ محلية بأسعار مدعومة، ويحد تدريجياً من الاعتماد على التقاوي المستوردة.
كما شهدت المحافظات السورية تأسيس سبع محطات لإكثار البذور وأربع جمعيات للمزارعين المنتجين للبذور في حلب وحماة وحمص، يشارك فيها 49 مزارعاً على مساحة تقارب 200 هكتار، ضمن مشروع تنفذه" إيكاردا" بالشراكة مع منظمة الأغذية والزراعة (FAO) وبدعم من وزارة الخارجية والتنمية البريطانية (FCDO).
وتهدف المبادرة إلى تعزيز إنتاج البذور المعتمدة محلياً وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع توقعات بارتفاع الإنتاج إلى مئات الأطنان بحلول عام 2027.
ويعرض الرسم البياني التالي أبرز المشاريع التي أُطلقت لإعادة بناء منظومة البذور في سوريا، وحجم مساهمة كل منها في تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الاستيراد.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بنحو 60% بين عامي 2011 و2024، في حين تجاوزت فاتورة استيراد الغذاء 1.
8 مليار دولار سنوياً، ما جعل تطوير إنتاج البذور محلياً جزءاً من جهود أوسع لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج.
إلى أين يتجه قطاع البذور حتى عام 2030؟رغم التحديات التي ما تزال تواجه القطاع الزراعي، تشير الخطط الحكومية والدراسات الدولية إلى أن استعادة منظومة إنتاج البذور محلياً لم تعد هدفاً بعيد المنال، بل مساراً بدأ يتشكل من خلال برامج البحث العلمي، وتطوير الأصناف المحلية، وإعادة تأهيل محطات الإكثار، وتعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية.
وتقدّر الخطة الخمسية لوزارة الزراعة السورية (2026-2030) أن تطوير أصناف محلية عالية الإنتاجية وأكثر قدرة على مقاومة الجفاف يمكن أن يسهم في تقليص فجوة استيراد القمح، التي تبلغ حالياً نحو ثلاثة ملايين طن سنوياً، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
وتنسجم هذه التقديرات مع البرامج التي تنفذها وزارة الزراعة بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، والتي تستهدف توسيع إنتاج البذور المحلية، واستعادة الأصناف السورية، وتطوير منظومة إنتاج أكثر قدرة على مواجهة التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الاستيراد.
وتوضح البيانات أن تحقيق هذه الأهداف لا يقتصر على زيادة الإنتاج، بل يشمل أيضاً تعزيز ما يعرف بـ" الأمان الوراثي" للمحاصيل، عبر الحفاظ على الأصول الوراثية السورية وتطوير أصناف تتلاءم مع الظروف البيئية المحلية، بما يضمن استدامة الإنتاج الزراعي على المدى الطويل.
ويعرض الرسم البياني التالي سيناريوهات تطور مؤشر السيادة على البذور والأمن الغذائي في سوريا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030، استناداً إلى بيانات وزارة الزراعة السورية، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وإيكاردا، وخطة التنمية المستدامة للقطاع الزراعي.
الأمن الغذائي يبدأ من البذورتكشف تجربة السنوات الماضية أن قضية البذور لم تعد شأناً فنياً يقتصر على المزارعين أو المؤسسات الزراعية، بل أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية في سوريا.
فكل تراجع في القدرة على إنتاج البذور محلياً يعني زيادة الاعتماد على الخارج، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتعرض القطاع الزراعي لتقلبات الأسواق وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي المقابل، تشير المشاريع التي أُطلقت خلال الأعوام الأخيرة إلى بداية مسار مختلف، يقوم على إعادة بناء منظومة إنتاج البذور، واستعادة الأصناف المحلية، وتطوير البحث العلمي، وتوسيع برامج الإكثار والإرشاد الزراعي.
ورغم أن الوصول إلى الاكتفاء الكامل يحتاج إلى سنوات من الاستثمار والعمل، فإن هذه الخطوات تضع أسساً أكثر استدامة لقطاع زراعي قادر على تلبية احتياجات البلاد وتقليل تبعيته للأسواق الخارجية.
وفي النهاية، تبقى البذور الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج الزراعي، ومنها تبدأ قدرة أي دولة على حماية أمنها الغذائي.
لذلك، فإن نجاح سوريا في استعادة إنتاجها المحلي لن ينعكس على المزارعين وحدهم، بل سيمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز الاستقرار الاقتصادي والغذائي خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك