“إطار واشنطن” الذي وقّعه كلّ من لبنان وإسرائيل والولايات المتّحدة، يعدّ الاتّفاق الأشجع الذي تذهب إليه الدولة اللبنانيّة، عبر سلطة سياسيّة ذات تمثيل شعبيّ وبرلمانيّ وسياسيّ حاسم.
يكمن الفارق الأهمّ بين الاتّفاقيّة الإطاريّة الموقّعة قبل أيّام واتّفاق 17 أيّار 1983 في تبدّل المعادلات الجيوستراتيجيّة وظروف الإرادة الوطنيّة التي صاغت كلا المشهدين.
بينما وُلد اتّفاق 1983 في ذروة الحرب الباردة وتحت وطأة اجتياح عسكريّ ضغط على حكومة منقسمة، أسقطه لاحقاً الثقل الميدانيّ لنظام دمشق السابق.
ينطلق إطار واشنطن في بيئة مغايرة تماماً، غابت عنها صراعات المحاور القديمة لمصلحة البراغماتيّة، وتراجع فيها النفوذ العسكريّ لـ”الحزب” وقدرته على فرض الفيتو التعطيليّ، ممّا أتاح لبيروت هامشاً أوسع للمبادرة.
تكمن شجاعة هذا الإطار في كسر المحرّمات الأيديولوجيّة والانتقال من منطق “الهدنة العسكريّة الصرفة” إلى منطق إدارة الاستقرار والتعايش، كبوّابة إلزاميّة لحماية استثمارات الغاز وتأمين تدفّق أموال الصناديق الدوليّة لإعادة الإعمار، ليصبح الاتّفاق أداة لتأمين المصالح الحيويّة المتبادلة وربط المنطقة بلغة الازدهار بدلاً من لغة الخنادق.
الحال، تتبدّى هنا الأهميّة الاستثنائيّة للبند الـ13 في الاتّفاقيّة، والذي تسبب في الاعتراض الأكثر دراماتيكيّة، حتّى من أصوات لبنانيّة مناوئة لـ”الحزب” لكنّها تحمل مخاوف بشأن السيادة الحقوقيّة للبنان ومساءلة إسرائيل عن أفعالها.
ينصّ البند الـ13 على الآتي: “تماشياً مع أهدافهما المشتركة لإقامة علاقات مستقرّة وسلميّة، تلتزم إسرائيل ولبنان باتّخاذ تدابير بحسن نيّة تُظهر النوايا الإيجابيّة، بما في ذلك وقف جميع الإجراءات العدائيّة أو المناوئة في المحافل السياسيّة أو القانونيّة الدوليّة، ويتعهّدان بالعمل على البحث عن الرفات وإعادتها وإطلاق سراح المحتجزين”.
يتلخّص اعتراض المعترضين في أنّ هذا البند يُلزم لبنان فعليّاً بالتخلّي عن أيّ إحالة محتملة إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة أو أيّ تحرّك أمميّ ضدّ إسرائيل.
بيد أنّ هذا الاعتراض ينهض على فرضيّات تنهار تباعاً عند التدقيق.
يظلّ البند الـ13 التزاماً سياسيّاً مدرجاً ضمن وثيقة إطاريّة مشروطة ومتسلسلة، وليس تنازلاً عن الحقوق السياديّة غير القابلة للإلغاء1- المحكمة الجنائيّة الدّوليّة ليست مساراً لتحقيق العدالة للبنانيكفي أن ينظر لبنان إلى تجارب إقليميّة سابقة مع المحكمة الجنائيّة الدوليّة، كالتجربة الفلسطينيّة مثلاً، ليلاحظ كيف انتهت القرارات حبراً على ورق.
وعليه، فإنّ الافتراض بأنّ عضويّة المحكمة الجنائيّة تمثّل المسار الأساسيّ للعدالة، ينطوي على تفضيل خيار المساءلة الاستعراضيّة على المسارات ذات النتائج العمليّة الداعمة لمصالح اللبنانيّين.
فضحايا حروب 2024 و2025 وما سبقتها لن يحصلوا على دولار واحد لإعادة الإعمار بناءً على دعوى تُرفع في لاهاي ستتجاهلها إسرائيل، ليس بفعل هشاشة القانون الدوليّ فحسب، بل بفعل طبيعة الصراع ذاته.
ثمّة جزئيّة يميل المعترضون إلى تجاهلها: لا يمكن للبنان أن يطالب بالسلطة الأخلاقيّة الكاملة للقانون الدوليّ ضدّ إسرائيل، ويقفز فوق حقيقة أنّه البلد الذي استضاف الميليشيا الأكثر تسليحاً في العالم، والتي عملت لعقود خارج أيّ إطار قانونيّ أو مؤسّساتيّ شرعيّ.
إنّ رفعة الموقف الأخلاقيّ تشترط الاتّساق.
فلا يُعدّ موقفاً مبدئيّاً لجوء لبنان للمحكمة الدوليّة ضدّ إسرائيل بينما يتغاضى عن “الحزب” الذي جلب الحروب والدمار على البلاد خارج إطار الدولة الشرعيّة، بل هو موقف انتقائيّ استعراضيّ وسلوك أيديولوجيّ توسّل أدوات حقوقيّة.
2- البنية الأخلاقيّة للبند الـ13إنّ التزام لبنان الأخلاقيّ الأعمق هو تجاه المواطنين الذين تآكلت حياتهم بسبب عقود من السير في نموذج توقّف دوماً عند الحساسيّات الأيديولوجيّة لبعض الأطراف على حساب الاستقرار والازدهار.
الحكومة اللبنانيّة التي تختار خدمة مستقبل شعبها عبر تأمين شروط مستدامة للاستقرار، على حساب الموقف القانونيّ الاستعراضيّ، ليست في موقع الاستسلام، بل تمارس القرار السياديّ الذي تدين به الدولة لمواطنيها للمرّة الأولى منذ عقود.
إطار واشنطن الذي يحقّق الانسحاب الإسرائيليّ، ونزع سلاح “الحزب”، وانتشار الجيش اللبنانيّ، وتمويل إعادة الإعمار، سيقدّم للضحايا ما يحتاجونه فعلاًكلّ قرار أو بيان أو لقاء أمميّ انتقد إسرائيل، ولو بشكل عادل، كان مصمّماً لخدمة أغراض محليّة، تبدأ من المصالح الضيّقة للأطراف المعنيّة وتنتهي عند ما يسمّى “حماية السلم الأهليّ”، أي الخضوع للعبة ابتزاز مقيتة تمنع النقاش الجوهريّ حول مصالح لبنان وتجهض أيّ تصوّر عاقل للعلاقات اللبنانيّة الإسرائيليّة.
حصل ذلك دائماً من دون جهد حقيقيّ لبناء جيش، أو حماية حدود، أو تقديم التزام ملزم يقي لبنان شرّ الحروب المتكرّرة.
كما أنّ هذا البند يحاصر “الحزب” بطريقة عجز الضغط العسكريّ وحده عن تحقيقها.
فمن خلال الالتزام بوقف الإجراءات العدائيّة في المحافل الدوليّة، يسحب لبنان ضمناً الدرع الدبلوماسيّ الذي وفّره لنموذج المقاومة طوال عقود.
لن تذهب الدولة إلى الأمم المتّحدة لتدافع عن منطق السلاح أو لتصوير الدمار كضريبة للمقاومة، بل تختار لغة السيادة والسلام، وتترك “الحزب” يتحدّث لغة تخلّت عنها الدولة رسميّاً.
3- لمادّة الـ13 مشروطة وليست دائمةيظلّ البند الـ13 التزاماً سياسيّاً مدرجاً ضمن وثيقة إطاريّة مشروطة ومتسلسلة، وليس تنازلاً عن الحقوق السياديّة غير القابلة للإلغاء.
لقد التزم لبنان بـ”تدابير بحسن نيّة” كإجراء لبناء الثقة ضمن إطار مبنيّ على المعاملة بالمثل.
فإخلال إسرائيل بالتزاماتها يسقط الإطار بأكمله، لتعود خيارات لبنان القانونيّة والسياسيّة تلقائيّاً إلى الطاولة.
الأهمّ، أنّ الاتّفاق الإطاريّ والمادّة الـ13 تحديداً يتركّزان على رؤية واقعيّة: الاستقرار المستدام يولّد نموّاً تراكميّاً.
فبمجرد أن يرسل لبنان إشارة موثوقة بدخوله نظاماً إقليميّاً مستقرّاً تحت كنف الدولة، يتبدّل المنطق الاستثماريّ للمغتربين والصناديق الدوليّة جذريّاً.
هذه الإشارة وحدها تساوي للتعافي الاقتصاديّ أكثر ممّا تقدّمه أيّ دعوى في لاهاي، ناهيك عن دورها الحاسم في تفعيل ملفّ الغاز البحريّ، إذ لا استثمار لشركات الطاقة الدوليّة دون جنوب منزوع السلاح ودولة تبسط سيادتها وتبني بيئة آمنة للمستقبل.
يمثّل “إطار واشنطن” فرصة ثمينة لاسترداد قرار الدولة السياديّ والخروج من دوّامة المظلوميّة الاستعراضيّة إلى واقعيّة الاستقرار المستدام والبناء الاقتصاديّسواء نُظر إلى البند الـ13 كخطوة واقعيّة أو وُصف بـ”الاستسلام”، فإنّ العبرة التاريخيّة تظلّ في النتائج ومصلحة البشر.
فلم تقاضِ ألمانيا كلّ قرار اتّخذه الحلفاء بعد الحرب، واليابان أعادت البناء بموجب شروط لم تضعها هي.
لم تكن هذه إخفاقات أخلاقيّة، بل خيارات أملتها الحكمة الاستراتيجيّة، واختيار المستقبل على المظلوميّة، وراحة الشعب على السرديّات المريحة.
فالسؤال اليوم ليس ما إذا كان الظلم قد وقع، فقد وقع بوضوح والسجلّ موثّق، بل السؤال هو ما إذا كانت أداة المساءلة المختارة تخدم الضحايا أم تخدم الشروط السياسيّة التي تؤبّد المعاناة وتسمح باستثمارها إلى ما لا نهاية.
بهذا المعنى، فإنّ إطار واشنطن الذي يحقّق الانسحاب الإسرائيليّ، ونزع سلاح “الحزب”، وانتشار الجيش اللبنانيّ، وتمويل إعادة الإعمار، سيقدّم للضحايا ما يحتاجونه فعلاً.
في المحصّلة، يمثّل “إطار واشنطن” فرصة ثمينة لاسترداد قرار الدولة السياديّ والخروج من دوّامة المظلوميّة الاستعراضيّة إلى واقعيّة الاستقرار المستدام والبناء الاقتصاديّ.
إنّ الشجاعة الحقيقيّة اليوم تكمن في تقديم مصلحة المواطن اللبنانيّ وحقّه في الازدهار على السرديّات الأيديولوجيّة المريحة التي لم تورث البلاد سوى الخراب، ووضع حجر الأساس لجمهوريّة تحكمها المؤسّسات لا الخنادق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك