خلال الحروب، كثيرا ما نقرأ حكايات مثيرة، وعجيبة تتناول مفارقات تبرز، على الرغم من وحشية الاقتتال، فالسبب ببساطة شديدة هو أن الإنسانية، هي غالبا المنتصرة على الغل والحقد، والانتقام! فهذا تلخيص لمقال كتب سنة 1944 وتحديدا زمن الحرب العالمية الثانية، عنوان المقال: «المروءة في الحرب» وقد تناول هذا الموضوع ثلاثة أمثلة، ولأن تفاصيل الموضوع طويلة، والأمثال التي تناولها المقال عديدة، رأيت أن المثل الثاني يلخصه، فكرة الموضوع خصوصا وأنه حدث في واحدة من مدننا، التي عانت كثيرا من ويلات الحرب العالمية الثانية وهي مدينة طبرق! التي يفترض أن تكون مدينة سياحية بامتياز، بسبب موقعها الجغرافي المتميز والذي جعل ميناء المدينة متميزا أيضا، وبسببه كان من أكثر موانئ البحر الأبيض المتوسط التي عانت من ويلات الحرب العالمية الثانية، ولعل مقبرة المحاربين من الطرفين خير دليل على أهوال ما مرت به المدينة وميناؤها أيضا.
التاريخ يذكر كيف أن طبرق ظلت مسرحا لحروب طويلة، حتى إن طرفي الحرب العالمية الثانية تداولا على احتلالها مرات عديدة، فما إن ينتصر الجيش البريطاني ويحتلها، حتى يعود الألمان، ويطردوا الإنجليز ويحتلوها ثانية، فصارت معارك كر وفر، حتى أن سير القائدين العالميين (مونتجومري) و(رومل) أصبحت تدرس في الكليات العسكرية! ولعل هذا المقال، يبرز على نحو ما، جانبا إنسانيا خطيرا ما كان ليتحقق لولا إنسانية هذين القائدين العالميين، فماذا حدث أثناء تناوبهما على احتلال مدينة طبرق بمينائها العسكري الاستراتيجي والذي شُبهت حركة الجيشين على تناوب احتلال المدينة والميناء بحركة المنشار! ؟يقول أحد الضباط البريطانيين، وهو (ماجور بيتر.
و.
وينير) الذين تناوبوا على ترؤس المستشفى العسكري بطبرق: «إن المستشفى كان يستقبل الجرحى في هدوء، من الطرفين، وأنه شاهد القائد الألماني رومل، وهو يتحرك بين أسرة الجرحى الألمان، ويسألهم، ويصغي باهتمام إلى إجابتهم! ثم اتجه نحو ضابط بريطاني وقال له: «علمت من جنودي أنهم ينالون علاجا كالذي تقومون به لجنودكم، وأفادوني أنه ثمة نقص في الأدوية، وسوف تصلكم منا سريعا!وبالفعل وصلت الأدوية واستمر العلاج لجرحي الطرفين، ولم يتعرض الألمان لعمل إدارة المستشفى الإنجليزية، وما إن تبدل الحال وتمكن الجيش البريطاني من السيطرة مجددا حتى طُرد الألمان من طبرق، وعادت سيطرة الإنجليز واستمر الحال وتفاني المستشفى في علاج المصابين بتناوب إدارة الطرفين المتحاربين!وتقول وثائق تلك الحروب إن طبيبا عسكريا ألمانيا ذكر في مذكراته، أنه بعد انهيار الألمان في شمال أفريقيا، أن آخر سفينة مستشفى ألمانية غادرت تونس، وكان على متنها: أن مدمرة بريطانية، لحقت بهم، وأوقفتها في عرض البحر، وعادت بها إلى ميناء بنزرت في تونس، ومن بعد تفتيشها، ولم يجد بها الإنجليز غير الجرحى، اعتذروا لهم ومنحوا لهم الإذن بالرحيل وكان على متنها الفا ألماني ما بين جريح وممرض وطبيب! وقبل أن ترحل صعد إليها الإنجليز وقدموا للمرضى ما يحتاجونه من مرطبات وسجائر، وزودوها بما كان ينقصهم من مواد طبية.
ويقول مراسل صحفي سويدى اسمه (أرفد فريدبورج ) في كتابه (خلف الجدار الفولاذي) إن ما حدث في تلك السفينة جرى بلا تكلف وفي جو يسوده الرضا والود والطمأنينة، حتى إن أحد الجرحى قال: «إذا كان هؤلاء هم أعداؤنا فلن نصبر على هذه الحرب أكثر مما صبرنا».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك