لم يكن الحدث الذي شهدته العاصمة العراقية بغداد ومناطق أخرى من البلاد، فجر أمس الأحد، والمتمثل بإطلاق حملة واسعة استهدفت مسؤولين حاليين وسابقين ونوابا وشخصيات سياسية متهمة بقضايا فساد واعتقال العشرات منهم، مجرد تطور قضائي وأمني بالنسبة للعراقيين، بل فتح نقاشا مجتمعيا واسعا حول ما إذا كانت البلاد تقف أمام نهاية مرحلة لطالما شعر فيها المواطن بأن أصحاب النفوذ يعيشون فوق سلطة القانون والمساءلة، وبداية مرحلة جديدة يكون فيها القانون هو المرجعية العليا للجميع.
وعلى الرغم من أن التحقيقات مع المعتقلين المتورطين بملفات فساد لا تزال في بدايتها، وأن القضاء هو الجهة الوحيدة المخولة بإثبات التهم أو نفيها، فإن الأثر الأول الذي تركته الحملة بدا واضحا في الشارع العراقي، حيث أثار تفاؤلا في الشارع العراقي بإمكانية انتهاء زمن" الحصانة من القانون" التي تمتع بها كبار المسؤولين طوال سنوات مضت.
ويرى مواطنون ومختصون في الشأن المجتمعي أن انعكاسات الحملة لا تتوقف عند حدود محاربة الفساد، وإنما تمتد الى العلاقة بين المواطن والدولة، أذ إن الشعور بسلطة القانون على أصحاب النفوذ يمثل معيارا أساسيا لاستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.
ويقول رافد الجنابي، من أهالي بغداد، أن" الحملة أعادت لنا شيئا من الأمل، بعدما اعتدنا السماع يوميا عن ملفات فساد كبيرة، ونرى التضخم المالي الخطير لدى المسؤولين والأحزاب والنواب، لكننا لم نشاهد من قبل تحركات حكومية بهذا الحجم"، مضيفا في حديث لـ" العربي الجديد"، أن" المشكلة لم تكن في الفساد وحده، بل في الاعتقاد الراسخ لدى الجميع بأن المسؤولين والنواب لا يمكن الاقتراب منهم فهم محصنون من سلطة الدولة، وأن كسر هذه الصورة اليوم حمل أثرا معنويا كبيرا لدى الشارع".
انعكست تأثيرات الفساد في العراق على المجتمع بشكل مباشر، لتشكل ثقافة عامة تشكك بجدوى سلطة القانونمن جانبه، يرى الناشط الحقوقي حسّان النعيمي أن" المجتمع العراقي لا يبحث عن مشاهد الاعتقال بقدر ما يبحث عن تكريس مبدأ العدالة"، مبينا لـ" العربي الجديد" أن أي" مواطن يشعر بالارتياح عندما يرى أن القانون لا يميز بين مواطن بسيط أو شخصية متنفذة"، مشيرا إلى أن" المساواة أمام القضاء هي الأساس الذي يعيد هيبة الدولة، وأن السنوات الماضية رسخت لدى المواطنين شعورا بأن الطبقة السياسية تتعامل وكأنها سلطة فوق سلطة الدولة والقانون، وأن هذا الشعور ولّد حالة من الإحباط وفقدان الثقة بالحكومات السابقة، لذلك فإن أي خطوة تعيد الاعتبار لهيبة القانون ستنعكس إيجابيا على الشارع العراقي".
وانعكست تأثيرات الفساد في العراق على المجتمع بشكل مباشر، لتشكل ثقافة عامة تشكك بجدوى سلطة القانون، فعلى مدى أكثر من عقدين من الزمن شعر المواطن أن النفوذ أقوى من المؤسسات، وأن العدالة تطبّق على الضعفاء فقط، لذا فإن المواطن لا يثق بأي تحركات حكومية إن لم تطبق على المتنفذين المتورطين بالفساد.
خطوات لإنهاء الإفلات من العقابأستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد حسن اللامي، أكد أن" التحرك الحكومي إذا استمر واستكمل بمحاكمات عادلة، يمكن أن يسهم في إعادة بناء الثقة المجتمعية التي تعرضت للاهتزاز خلال سنوات طويلة"، مبينا لـ" العربي الجديد" أن" الثقة بالدولة ليست شعارا سياسيا وإنما إحساس لدى المواطن بأن المؤسسات قادرة على حماية المال العام وإنفاذ القانون، وعندما يشعر الناس بأن لا أحد فوق المساءلة فإن احترامهم للدولة يزيد تلقائيا"، مضيفا أن" استمرار هذه الإجراءات وفق الأطر القانونية سيعزز ثقافة النزاهة داخل المجتمع، ويبعث برسالة مهمة إلى الموظف والمسؤول على حد سواء مفادها أن المنصب لم يعد وسيلة للإفلات من العقاب".
وبين التفاؤل والحذر، يبدو أن حملة ملاحقة الفاسدين في العراق فتحت بابا واسعا أمام اختبار مجتمعي يتجاوز الأبعاد الأمنية والقضائية، إذ يترقب العراقيون ما إذا نجحت هذه الخطوة في ترسيخ قناعة طال انتظارها، وهي أن سلطة القانون قادرة على الوصول الى الجميع، وأن الحصانة من القانون التي ارتبطت في أذهان كثيرين بالطبقة السياسية، بدأت تتراجع لصالح مفهوم الدولة التي لا تستثني أحدا من المساءلة.
وشهد العراق خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية حملة اعتقال طاولت عشرات أعضاء مجلس النواب، ومستشارين سابقين لدى الحكومة العراقية، ومسؤولين في وزارات ومحافظين سابقين في محافظات متفرقة، بينهم شخصيات تُعد من الصف الأول في المشهد السياسي العراقي، أبرزهم زعيم تحالف" عزم" (ثاني أكبر الأحزاب السنية النافذة في البلاد)، مثنى السامرائي، بالإضافة إلى نواب بارزين، بينهم محمد جميل المياحي وعالية نصيف وزياد الجنابي.
وبلغ عدد المعتقلين في عملية" الفجر الأبيض"، كما سُمّيت في الإعلام العراقي، نحو 50 شخصاً، جميعهم متهمون بقضايا فساد، وفقاً لما ورد في اعترافات عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط، الذي اعتُقل الشهر الماضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك