شهدت العاصمة السورية دمشق تطوراً لافتاً في ملف الحفاظ على التراث اليهودي، بعد نجاح مبادرة مجتمعية في استعادة قطعة أثرية نادرة سُرقت من أحد كنس المدينة القديمة، بالتزامن مع انطلاق أعمال لترميم المقبرة اليهودية التاريخية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتقاطع فيه جهود صون الإرث الثقافي مع ظروف سياسية وأمنية معقدة تشهدها سوريا، ما يضفي أبعاداً إضافية على هذه المبادرات.
نجح سكان الحي اليهودي في دمشق القديمة في استعادة كرسي أثري نادر كان قد سُرق من أحد كنس الحي، في خطوة اعتُبرت نموذجاً للتعاون المجتمعي في حماية التراث الثقافي.
ويُعد الكرسي من أبرز المقتنيات التاريخية المرتبطة بالطائفة اليهودية في سوريا.
وأعرب جوزيف جاجاتي، مؤسس ورئيس منظمة" موزاييك السورية"، عن امتنانه الكبير لعودة الكرسي، مؤكداً أن استعادته تمثل إنجازاً للمجتمع المحلي ولكل المهتمين بالحفاظ على التراث اليهودي السوري.
ولا يُعد هذا الكرسي قطعة أثاث عادية، بل هو" كرسي النبي إيليا" (إيلياهو)، الذي يحتل مكانة دينية مهمة في الطقوس اليهودية، إذ يُستخدم خلال مراسم الختان.
وقد صُنِع يدوياً في دمشق عام 1946 على أيدي حرفيين يهود.
وأكد جاجاتي أن استعادة الكرسي لم تكن لتتحقق لولا تعاون أبناء الحي اليهودي، الذين أسهموا في تعقب القطعة وإعادتها إلى الكنيس.
ووجّه الشكر لكل من شارك في هذه الجهود، مشدداً على أن حماية التراث مسؤولية جماعية تتجاوز الانتماءات الدينية، وأن الحفاظ على الإرث التاريخي المشترك يعكس قوة المجتمعات التي يصون أفرادها تاريخهم وجيرانهم، وفقاً لموقع" ميديا لاين".
ويُعد الحي اليهودي في دمشق من أقدم الأحياء التاريخية في المدينة، ورغم تقلص أعداد اليهود في سوريا إلى حد كبير، ما تزال كنسه ومبانيه التاريخية ومقتنياته الأثرية شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ دمشق وتنوعها الثقافي.
وفي سياق متصل، أعلن رئيس الطائفة الموسوية في سوريا، بيخور شمنطوب، عن انطلاق أعمال لترميم وتجديد المقبرة اليهودية في حي الطبالة بدمشق، بمشاركة منظمة" موزاييك السورية".
وأوضح شمنطوب أن أعمال الترميم شملت شواهد قبور لشخصيات تاريخية بارزة، من بينها الحاخام الأكبر نسيم إسحق إندبو، الذي كان حاضراً عند تنفيذ حكم الإعدام بالجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين.
وأضاف شمنطوب لصحفة" القدس العربي" أن معظم القبور ماتزال بحالة جيدة بفضل تغطيتها بالرخام، إلا أن عوامل الزمن والطقس أزالت الطلاء عن كثير من الشواهد، وهو ما تعمل فرق الترميم على معالجته، إلى جانب تنظيف المقبرة من الأعشاب والأشواك، وتأهيل الطرق الداخلية بطبقة من الإسفلت.
وتُعد مقبرة اليهود في حي الطبالة المقبرة الوحيدة المخصصة لدفن يهود دمشق، وتمتد على مساحة تقارب 250 ألف متر مربع على طريق مطار دمشق الدولي، وتضم رفات آلاف الأشخاص الذين دُفنوا فيها على مدى عقود طويلة.
وكشف أن آخر جنازة أشرف عليها شخصياً كانت للسيدة راشيل سليم قمعو زاغا في شباط 2024، مشيراً إلى أن المقبرة استقبلت خلال السنوات الأربع والثلاثين الماضية رفات 24 شخصاً فقط، بعد أن انخفض عدد أفراد الطائفة اليهودية في دمشق من نحو 30 شخصاً عقب السماح لهم بمغادرة البلاد عام 1992 إلى ستة أشخاص حالياً.
وكانت منظمة" موزاييك السورية" قد نشرت مقطعاً مصوراً يوثق أعمال تنظيف المقبرة وإعادة طلاء شواهد القبور، معلنة بدء مشروع رسمي لترميم المقبرة اليهودية التاريخية، ومؤكدة أن الهدف يتمثل في الحفاظ على هذا الإرث الثقافي وصونه للأجيال المقبلة.
يهود سوريون يدينون الاعتداءات الإسرائيلية على سورياوتأتي هذه الأعمال بعد زيارة أجراها الحاخام ديفيد سابيرشتاين، السفير الأميركي السابق المعني بالحرية الدينية دولياً، إلى دمشق ضمن وفد اطلع على أبرز مواقع التراث اليهودي، بينها كنيس جوبر الأثري وكنيس الإفرنج والمقبرة اليهودية.
وشارك جوزيف جاجاتي في تنظيم هذه الزيارة، التي جاءت ضمن سلسلة من الجولات الهادفة إلى التعريف بالتراث اليهودي السوري، من بينها زيارة استضافت في أيلول 2025 رئيس تحرير صحيفة" تايمز أوف إسرائيل" ديفيد هوروفيتس.
ويُعرف جاجاتي بأنه سوري-أميركي من أصول يهودية دمشقية، وقد أسس منظمة" موزاييك السورية" في آب 2025، وتتخذ من نيويورك مقراً لها، وتعمل -بحسب تعريفها- على تعزيز التواصل الثقافي بين سوريا والعالم، والحفاظ على التراث، وتنفيذ مبادرات إنسانية وتعليمية وثقافية.
تتزامن هذه الأنشطة الساعية لإحياء التراث اليهودي مع استمرار التوتر في الجنوب السوري، حيث شهدت محافظة درعا تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً تخلله توغل بري وقصف مدفعي وتحليق مروحيات عسكرية وعمليات اعتقال، في ظل استمرار التوسع الإسرائيلي في بعض المناطق الحدودية.
وفي هذا السياق، سبق لرئيس الطائفة الموسوية بيخور شمنطوب، أن انتقد استمرار السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ سورية، معتبراً أن إسرائيل ستنسحب في نهاية المطاف، وأن ما تقوم به" خطأ"، لكنه أشار إلى أنها لا تستجيب للانتقادات بسبب الدعم الذي تحظى به من الولايات المتحدة وأوروبا.
وعندما سُئل عمّا إذا كانت إسرائيل تمثله، أجاب بوضوح: " لا إطلاقاً.
هم إسرائيليون، ونحن سوريون".
في الوقت الذي تُبذل جهود لإحياء وصون التراث اليهودي بوصفه جزءاً من الذاكرة التاريخية السورية، تتزايد المخاوف من أن تطغى التطورات الأمنية والتجاوزات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب السوري على هذه المبادرات الثقافية.
ويثير تزامن مشاريع الترميم مع استمرار العمليات العسكرية والتوغلات الإسرائيلية تساؤلات حول قدرة الجهود الرامية لحماية الإرث التاريخي على البقاء بمنأى عن تعقيدات الصراع، في وقت يؤكد كثير من السوريين أن الحفاظ على التراث لا ينبغي أن يُستغل أو يُربط بأي أجندات سياسية أو عسكرية، بل يجب أن يبقى جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية السورية الجامعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك