لا يزال اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان وإسرائيل في واشنطن يوم 26 يونيو/حزيران الجاري يثير ردّات فعل مستنكرة ومحذرة من خطورة بنوده على الداخل اللبناني، خصوصاً لما فيها من إعطاء شرعية للاحتلال للبقاء في الأراضي التي احتلها أخيراً، ومواصلة التهجير القسري للسكان، والتنازل عن حقوق الأسرى والمسارات القضائية.
وبين تحذيرات بعض المسؤولين اللبنانيين من تداعيات الاتفاق، على رأسهم رئيس البرلمان نبيه بري الذي عنونه بـ" الفتنة"، وتنبيهات حقوقيين أيضاً من مخاطر السير به، خصوصاً أن الجانب الإسرائيلي أعلن صراحة عدم انسحابه من المنطقة الأمنية، وبقاءه فيها طالما لم يُنزع سلاح حزب الله، تبقى ضمن التساؤلات قانونية هذا الاتفاق لبنانياً، وما إذا كان يحتاج إلى تصويت حتى يصبح ساري المفعول.
ويشدّد الباحث في" المفكرة القانونية"، حسين شعبان، على أن اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي أتى ليشرعن الاحتلال والتهجير القسري والشامل للسكان، الذي يرقى إلى جرائم تطهير عرقي، ومحو وجود القرى من خلال الإبادة العمرانية والثقافية والبيئية، والتي لا تزال مستمرة رغم ما أُعلن عن وقف لإطلاق النار، إذ تصاعد النسف الإسرائيلي للقرى الحدودية.
ويشير شعبان، في حديثه مع" العربي الجديد"، إلى أنّ الاتفاق فيه تنازل واضح عن السيادة، ورهن لمصير الأشخاص والأرض، وتخلٍّ عن حق الضحايا في العدالة، معتبراً أن الخطورة تكمن في الاتفاق الأمني السري، وما صدر عن الطرف الإسرائيلي حول البقاء في المنطقة الصفراء، من دون أي اعتراض لبناني، بل بتنازل لبناني صريح عن سيادة الشعب ورهنها بالإرادة الإسرائيلية.
ويلفت إلى أنه بعد الاتفاق، تصاعدت عمليات النسف في القرى الحدودية، في محو مستمر للقرى والإبادة العمرانية والبيئية والثقافية، مع هدم شامل للمباني والمعالم التاريخية والدينية والثقافية، مؤكداً أننا لسنا أمام احتلال فحسب، بل مجموعة من الجرائم التي ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية، ومعتبراً أن الاتفاق يؤكد التزام لبنان بعدم مقاضاة إسرائيل على ما ارتكبته من جرائم.
ويتوقف شعبان عند خطورة البند 13 من الاتفاق، الذي ينص على أنه: " انسجاماً مع هدفهما المشترك المتمثل في إقامة علاقات مستقرة وسليمة، تلتزم إسرائيل ولبنان باتخاذ إجراءات بحسن نية تعكس نيّاتها الإيجابية، بما في ذلك وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادتها والإفراج عن المحتجزين".
ويشير إلى أنّ هذا البند فيه، من جهة أولى، التنازل عن أي خطوات في المحافل السياسية والقانونية والإجراءات القضائية، ومن جهة ثانية، تحويل العدالة إلى أعمال عدائية، والتنازل عن حقوق الضحايا والأفراد في العدالة تجاه ما تعرضوا له من جرائم.
وفي الوقت نفسه، دمج ملف الأسرى، الذين هم أسرى حرب ولديهم حقوق تكفلها القوانين الدولية وتحميها، ويجب إطلاق سراحهم عملاً بها فور وقف إطلاق النار الفعلي.
ويلفت شعبان إلى أنّ" هؤلاء الأسرى هم مخفيون قسراً واتخذتهم السلطات الإسرائيلية رهائن، لكن الدولة اللبنانية ربطت، من خلال الاتفاق، مصيرهم بتنازلات هي أساساً لا تملكها، وكلنا يذكر حديث الرئيس جوزاف عون من فرنسا عام 2025 بالقول: لا أسرى لدى لبنان كي يبادلهم أو يفاوض عليهم، فكيف يُربط مثلاً مصيرهم برفات الطيار رون أراد، الذي لا يملك لا لبنان ولا إسرائيل ولا حزب الله أي معلومة عنه؟ "، معتبراً أن هذه ورقة ابتزاز مفتوحة.
وعلى صعيد إلزامية الاتفاق، يوضح الأستاذ الجامعي المتخصّص في القانون الدستوري، وسام اللحام، لـ" العربي الجديد"، أن الاتفاق ليس نهائياً بعد، وليس ملزماً حتى اللحظة للبنان، بحيث جرى التوقيع على وثيقة، لكنّها لا تلزم لبنان إلّا بعد نيلها موافقة مجلس الوزراء بغالبية الثلثَين، كونها تدخل من باب المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
ويلفت اللحام إلى أنّ مجلس الوزراء، في جلسته الماضية، أخذ علماً بالتفويض المعطى من رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، إلى الوفد المفاوض في واشنطن، وكلفهم بإجراء ما يلزم توصلاً إلى النتيجة المرجوة، وذلك تحت إشرافهما، وأن أي اتفاق ينتج عن هذه المفاوضات يخضع إبرامه لموافقة مجلس الوزراء بحسب المادة 52 من الدستور.
ويشير اللحام إلى أن السلطة عودتنا، في المقابل، سواء باتفاق ترسيم الحدود البحرية أو اتفاق وقف العمليات العدائية عام 2024، على عدم العرض على مجلس النواب لأخذ الموافقة.
بدوره، يقول المحامي الدكتور جاد طعمه، أستاذ مادة القانون في الجامعة اللبنانية، لـ" العربي الجديد"، إنّ" نص الاتفاق لا يزال غامضاً، والحكومة اللبنانية، وهي طرف معني بالتفاوض، لم تعلن شيئاً عنه، وجرى تسريب أنه مرتبط باتفاقية أمنية جرى التوافق على بنودها أيضاً".
ويضيف: " ما هو معلوم لا يخولنا الخوض في الآليات التي تحكم تنفيذ أحكامه، لكن على ما يبدو أن هناك مناطق سيجري تحديدها لتكون مناطق تجريبية، ولا شيء يوحي باشتراط عرض أي اتفاق على مجلس النواب، وهذه سقطة دستورية إضافية كبرى، لأنّ التفاوض شيء (إن اعتبرنا أن إطلاق التفاوض متاح، وهو ليس كذلك في حالة التفاوض مع العدو)، أما مسألة البدء بالتنفيذ فشيء آخر، ومن المستغرب تجاوز مجلس النواب اللبناني في مسألة بالغة الدقة والحساسية".
ويلفت طعمه إلى أن لبنان، حتى تاريخه، لا يزال في حالة قانونية لا تقوم على الاعتراف بإسرائيل، وما زالت منظومته التشريعية تتضمن نصوصاً تنظم حالة العداء، وتجرم، في الحدود التي رسمها القانون والاجتهاد المستقر للمحاكم، صوراً من التعامل مع العدو.
ومن ثم، فإن أي تحول في الطبيعة القانونية للعلاقة بين الطرفين، إذا كان من شأنه أن يرتب آثاراً تتجاوز مجرد الترتيبات الأمنية إلى إنشاء التزامات دائمة أو تعديل المركز القانوني القائم، يثير تساؤلات دستورية جدية حول مدى الحاجة إلى تدخل السلطة التشريعية لتعديل النصوص النافذة، عملاً بمبدأ توازي الأشكال والاختصاصات، إذ لا يجوز في دولة القانون أن يُعدَّل وضع قانوني أنشأه المشرّع إلّا بالأداة الدستورية والتشريعية ذاتها.
ويرى طعمه أن اتّساع السلطة التقديرية للسلطة التنفيذية في إدارة العلاقات الدولية لا يعفيها من الخضوع لمبدأ المشروعية، بل يوجب التقيد الصارم بحدود الاختصاصات الدستورية، ولا سيّما عندما يتعلق الأمر بمسائل تمسّ السيادة أو تترتب عليها آثار قانونية داخلية، كما أن مبدأ الشفافية يقتضي نشر النصوص الكاملة والملحقات، وتمكين المؤسسات الدستورية المختصة من ممارسة دورها الرقابي، لأنّ مشروعيّة الاتفاقات لا تُقاس فقط بأهدافها، وإنما كذلك بالأصول الدستورية التي أُبرمت بموجبها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك