روسيا اليوم - سوريا.. الجيش الإسرائيلي يفتح النار على مواطنين تظاهروا احتجاجا على تمركزه في ريف درعا CNN بالعربية - من أصول مغربية.. من هو المنافس الصاعد لبنيامين نتنياهو؟ الجزيرة نت - بيرنهام يكشف برنامجه "لإعادة هيكلة" اقتصاد بريطانيا CNN بالعربية - منتخب أوروبي آخر ينهي عقد مدربه بعد الخروج من كأس العالم 2026 روسيا اليوم - "فيفا" يوجه رسالة لمنتخب الأردن بعد نهاية مشواره في مونديال 2026 العربية نت - غموض يلف ملابسات وفاة مصممة أزياء مغربية بعد أيام من الاختفاء قناة التليفزيون العربي - ما أبرز ما تم التباحث فيه في لقاء براد كوبر قائد القيادة الوسطى الأميركية بالرئيس جوزيف عون؟ التلفزيون العربي - "بدنا نحميها لدرعا".. أطفال قرية سورية يتصدّون لدورية إسرائيلية بالحجارة القدس العربي - السودان.. الجيش وقوات متحالفة يسيطرون على مدينة كلبس بغرب دارفور CNN بالعربية - تعليقات في وسائل الإعلام الإيرانية تطالب بامتلاك السلاح النووي
عامة

اقتصاديات التكيّف فى زمن التقلبات

الشروق
الشروق منذ ساعتين

فى عالمنا اليوم، أصبحت القدرة على التكيّف مع الاضطرابات المتلاحقة والحفاظ على استدامة مسار النمو أكثر أهمية من السعى إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة فى حد ذاتها. ويعود ذلك إلى أن النظام الاقتصادى الدولى ل...

فى عالمنا اليوم، أصبحت القدرة على التكيّف مع الاضطرابات المتلاحقة والحفاظ على استدامة مسار النمو أكثر أهمية من السعى إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة فى حد ذاتها.

ويعود ذلك إلى أن النظام الاقتصادى الدولى لم يعد يواجه أزمات عابرة تفصل بينها فترات من الاستقرار، بل دخل مرحلة من الاضطراب الهيكلى الذى تتزامن فيه الصدمات الجيوسياسية والمالية والمناخية والتكنولوجية، وتتداخل آثارها على نحو يجعل كل أزمة تغذّى الأخرى، ويجعل إدارة المخاطر أكثر تعقيدًا من أى وقت مضى.

كان العقدان الماضيان يحملان إلينا تجسيدًا واضحًا لهذا التحول؛ فقد شهد العالم أزمات مالية، وجائحات صحية، وحروبًا تجارية، وصراعات جيوسياسية، واضطرابات فى سلاسل الإمداد، وقفزات حادة فى أسعار الطاقة والغذاء، ثم جاءت الثورة المتسارعة فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى لتضيف بعدًا جديدًا من عدم اليقين إلى أسواق العمل والإنتاج.

ولم يعد أى اقتصاد، مهما بلغت درجة انفتاحه أو انعزاله، بمنأى عن انتقال تلك الصدمات إليه، عبر التجارة أو التمويل أو أسعار السلع أو حركة رءوس الأموال، أو حتى عبر تغير توقعات المستثمرين.

ولم يقتصر أثر هذه التحولات على زيادة تواتر الصدمات، وإنما امتد إلى تغيّر طبيعتها، بحيث أصبح العامل الجيوسياسى نفسه متغيرًا اقتصاديًا من الدرجة الأولى، وهو ما يفسر التحول الجذرى فى أولويات السياسات الاقتصادية حول العالم.

ولعل أبرز ما تغيّر فى منطقتنا خلال السنوات الأخيرة هو أن المخاطر الجيوسياسية لم تعد متغيرًا خارجيًا يقتصر أثره على تعطيل التجارة أو تقلب أسعار الطاقة، وإنما أصبحت جزءًا أصيلًا من البيئة الاقتصادية ذاتها.

فالصراعات تعيد رسم خرائط الاستثمار، وترفع تكلفة التمويل والتأمين، وتضغط على الموازنات العامة، وتؤثر فى الثقة فى المؤسسات، وتفرض أولويات جديدة على الإنفاق العام، بحيث تتراجع الاستثمارات الإنتاجية أمام متطلبات الأمن والدعم الاستثنائى وإعادة الإعمار، وتتآكل تدريجيًا المساحة المتاحة للاستثمار فى المستقبل.

لعلنا أصبحنا فى حاجة إلى الانتقال، ولو على مستوى التنظير، من «اقتصاديات النمو» إلى «اقتصاديات التكيّف».

فليس المقصود بالطبع التقليل من أهمية النمو، وإنما إعادة ترتيب الأولويات فى عالم أصبحت فيه الصدمات أكثر تكرارًا وتشابكًا.

فالدولة الناجحة لم تعد هى التى تحقق أعلى معدلات النمو فى أوقات الرخاء فحسب، بل التى تستطيع الحفاظ على تماسك اقتصادها ومؤسساتها، ومواصلة الإصلاح، واستعادة قدرتها على الانطلاق بعد كل أزمة.

ومن ثم، فإن فلسفة التنمية نفسها تستدعى مراجعة عميقة، بحيث يصبح بناء المرونة المؤسسية والمالية والبشرية هدفًا يوازى، بل ويمهد، لتحقيق النمو المستدام.

فى هذا السياق، تبدو أفكار الاقتصادى النمساوى «فريدريش هايك» قابلة للاستدعاء أكثر من أى وقت مضى.

فقد رأى أن المشكلة الاقتصادية الأساسية ليست ندرة الموارد فحسب، وإنما تشتت المعرفة بين ملايين الأفراد، وأن الاقتصاد لا يتحرك وفق معادلات جامدة يمكن التنبؤ بها، بل من خلال عملية مستمرة لاكتشاف المعلومات والتكيّف معها.

وإذا كان «هايك» قد طرح هذه الرؤية فى سياق دفاعه عن اقتصاد السوق، فإن دلالتها الأوسع اليوم تكمن فى أن الاقتصادات الأكثر نجاحًا ليست تلك التى تمتلك خططًا جامدة، وإنما تلك التى تبنى مؤسسات مرنة قادرة على مراجعة سياساتها كلما تغيرت البيئة المحيطة بها.

فالتنمية فى عالم سريع التحول لم تعد سباقًا نحو هدف ثابت، بل أصبحت عملية مستمرة من التعلم والتكيّف.

وإذا كان بناء القدرة على التكيّف يبدأ من الاعتراف بأن التقلب أصبح سمة دائمة لا استثناءً عابرًا، فإن الخطوة التالية تتمثل فى إعادة تعريف ما يُعد استثمارًا تنمويًا.

فلقد اعتدنا أن ننظر إلى الاحتياطيات الاستراتيجية، وشبكات الحماية الاجتماعية، والأمن الغذائى، وأمن الطاقة، والبنية الرقمية، باعتبارها أبواب إنفاق اجتماعى أو خدمى، بينما أصبحت اليوم تمثل بنية تحتية اقتصادية لا تقل أهمية عن الطرق والموانئ ومحطات الكهرباء، لأنها تحدد قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات وسرعة استعادة تعافيه، وتوفر للدولة مساحة للحركة عندما تضيق الخيارات.

وهنا يبرز تحدٍ آخر لا يقل خطورة، يتمثل فى ضيق الحيز المالى الذى تعانيه أعداد متزايدة من الاقتصادات النامية.

فالمشكلة لم تعد تقتصر على نقص الموارد أو غياب المشروعات المجدية، وإنما أصبحت تتمثل فى محدودية القدرة على تمويلها.

فكثير من الحكومات باتت تخصص نسبة متزايدة من مواردها لخدمة الدين، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق على الأمن والدعم والحماية الاجتماعية وإعادة الإعمار، وهو ما يؤدى تدريجيًا إلى تآكل الموارد المتاحة للاستثمار فى التعليم والصحة والبنية الأساسية، أى فى الركائز التى يقوم عليها النمو المستدام.

من ثم، فإن بناء المرونة الاقتصادية لا يبدأ عند وقوع الأزمة، وإنما قبلها، عبر الحفاظ على حيز مالى يسمح للدولة بالاستجابة للصدمات دون أن تضطر إلى التضحية بأولوياتها التنموية.

ومن هنا يمكن القول إن تحدى التنمية فى عدد متزايد من الدول لم يعد تحديًا تمويليًا بالمعنى التقليدى، بل أصبح تحديًا يتعلق بإدارة المركز المالى للدولة واستدامة أوضاعها المالية.

ولذلك لم تعد استدامة الدين، وتعبئة التمويل الخاص، وتطوير أسواق المال المحلية، وتقاسم المخاطر مع المؤسسات الدولية، قضايا مالية فحسب، بل أصبحت عناصر أساسية فى استراتيجية التنمية.

وينعكس هذا التحول بصورة مباشرة على قضية التشغيل.

فالمنطقة العربية تقف أمام موجة ديموغرافية غير مسبوقة، سيدخل خلالها ملايين الشباب إلى سوق العمل خلال العقود المقبلة، فى وقت لم يعد فيه القطاع العام قادرًا على القيام بالدور الذى اضطلع به لعقود طويلة، ليس فقط بسبب تغير الفلسفة الاقتصادية، وإنما أيضًا بسبب القيود التى تفرضها أوضاع المالية العامة.

ولهذا فإن بناء قطاع خاص قادر على الاستثمار والإنتاج والتصدير لم يعد خيارًا لتحسين الكفاءة، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية وسياسية فى آن.

غير أن القطاع الخاص لا ينمو بالحوافز الضريبية وحدها، وإنما ينمو فى بيئة تتوافر بها المنافسة العادلة، واستقرار السياسات، وإنفاذ العقود، وسهولة الحصول على التمويل، وكفاءة الخدمات اللوجستية.

فالمطلوب لا يعدو مجرد جذب المستثمرين، بل بناء اقتصاد قابل للاستثمار، لأن الاستثمار فى نهاية المطاف قرار يتعلق بالثقة بقدر ما يتعلق بالعائد.

غير أن قدرة القطاع الخاص على قيادة النمو لن تكون كافية إذا كانت طبيعة الوظائف نفسها آخذة فى التغير بوتيرة غير مسبوقة.

وهنا تبرز الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعى بوصفهما تحديًا جديدًا، لا لأنهما سيقضيان على الوظائف بصورة «هوليودية»، وإنما لأنهما يهددان بتآكل الوظائف التى شكلت لعقود طويلة عماد الطبقة الوسطى وسلّم الحراك الاجتماعى، خاصة الوظائف الإدارية والكتابية والمكتبية.

وإذا اختفت هذه الوظائف قبل أن تنشأ بدائل إنتاجية جديدة، فإننا قد نواجه جيلًا متعلمًا، لكنه أقل قدرة على تحويل التعليم إلى فرصة اقتصادية واجتماعية.

ولهذا فإن الاستثمار فى رأس المال البشرى ليس بندًا فى موازنات التعليم، وإنما هو خط الدفاع الأول عن مرونة الاقتصاد.

فالتعليم الذى يرسخ مهارات التعلم المستمر، والتدريب الذى يؤهل الأفراد لتغيير مساراتهم المهنية، والبيئة التى تشجع الابتكار وريادة الأعمال، أصبحت جميعها أدوات رئيسية لتعزيز القدرة على التكيّف فى اقتصاد سريع التحول.

إن العالم لا يتجه نحو مرحلة أكثر استقرارًا، بل يبدو أنه يتجه إلى ترسيخ حالة من التقلب الدائم، وهو ما يجعل القدرة على التكيّف المورد الاستراتيجى الأهم فى العقود المقبلة.

ولن يكون معيار النجاح امتلاك أكبر الموارد الطبيعية أو تحقيق أعلى معدلات النمو فى سنوات الرخاء، وإنما امتلاك مؤسسات أكثر مرونة، واقتصادات أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وسياسات عامة تستطيع التكيف مع واقع سريع التغير دون أن تفقد بوصلتها التنموية.

ومن هذه الزاوية، تبدو مصر أمام فرصة بقدر ما تواجه من تحديات.

فموقعها الجغرافى، وتنوع اقتصادها، واتساع سوقها المحلية، وما راكمته من خبرات مؤسسية، كلها عوامل تؤهلها لتعزيز قدرتها على الصمود فى مواجهة عالم مضطرب، شريطة أن تستمر الإصلاحات الهيكلية، وأن يُعاد بناء الحيز المالى للدولة، وأن تتعمق مشاركة القطاع الخاص، وأن يصبح الاستثمار فى الإنسان هو الأولوية التى تسبق غيرها.

فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنجح لأنها استطاعت تجنب الأزمات، وإنما لأنها امتلكت القدرة على التكيّف معها وتحويلها، كلما أمكن، إلى فرص جديدة للتقدم.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك