بدأ الاقتصاد الأميركي وسوق الأسهم يسلكان طريقين منفصلين في يونيو/حزيران، الذي جاء حافلاً بالأحداث، إذ شهد إطلاق الطرح العام الأولي القياسي لشركة" سبايس إكس"، وأول اجتماع لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، واتّسم بالتناقضات.
فبينما جاءت البيانات الاقتصادية الأميركية متينة، مدعومةً باستمرار نمو فرص العمل وقوة الإنفاق الاستهلاكي وارتفاع معنويات المستهلكين، سجّل مؤشرا ناسداك وإس آند بي 500 انخفاضاً خلال الشهر، فيما تراجعت أسهم مجموعة" المانيفيسنت سفن" التكنولوجية بأكثر من 10% وفق أحد المقاييس.
وارتفعت أسعار سندات الخزانة وانخفضت عوائدها، على الرغم من تجاوز التضخم نسبة 4% للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.
في هذا السياق، قال غاي ليباس، كبير استراتيجيي الدخل الثابت في شركة جاني مونتغومري سكوت بفيلادلفيا لوكالة رويترز: " ما يلفت انتباهي هو أنه في خضم ارتفاع أسعار الطاقة، حافظ المستهلكون على مرونتهم في الإنفاق على السلع والخدمات غير الطاقوية.
هذا التوليف يوحي بمستوى من الاستقرار والمرونة والقوة الاقتصادية يفوق ما كنا نتوقعه بديهياً في مطلع العام، ما يُفضي إلى بعض مخاطر الارتفاع في تقديرات النمو الأميركي".
ارتفاع الأسعار الحقيقية يُغيّر قواعد اللعبةيقف المستثمرون عند مفترق طرق، مع تموّج أثر ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية المعدّلة بالتضخم عبر أسواق يقودها الازدهار الاستثماري الهائل في مجال الذكاء الاصطناعي.
وقد أذكى التوجه المتشدد لوارش الرهانات على أن البنك المركزي سيرفع أسعار الفائدة، فيما يشكك كثير من المحللين في إقدامه على ذلك فعلاً، إذ أسفرت الأوضاع المالية المتشددة أصلاً عن انخفاض حاد في أسعار الذهب والبيتكوين، إلى جانب سهمَي مايكروسوفت وميتا.
في الوقت ذاته، تُصدر وول ستريت أسهماً وديوناً جديدة بوتيرة متسارعة؛ يعود ذلك جزئياً إلى تمويل مزيد من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي الذي يرفض المدافعون عنه أي حديث عن فقاعة، غير أنه يعكس في الوقت نفسه طلباً استثمارياً متيناً.
وكثيراً ما حُسم التوتر بين اقتصاد متين، وإن كان متفاوتاً، وسوق يقوده بصورة رئيسية قطاع واحد، لصالح الأسواق التي تبدو مضاعفاتها في مستويات قياسية على الدوام.
بيد أن هذا النمط قد لا يصمد إذا كانت حقبة ارتفاع تكاليف الاقتراض الحقيقية قد حلّت فعلاً.
وقال المحلل في غولدمان ساكس كاماكشيا تريفيدي لـ" رويترز"، إن انحسار مخاوف الحرب هذا الشهر وتراجع أسعار النفط يُعيدان الأسواق إلى خلفية أساسية ودورية ملائمة، لكنها تنعكس في تقييمات مرتفعة، مضيفاً: " هذا التوتر يبلغ ذروته في قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي بات المصدر الأساسي لتذبذب أسواق الأسهم.
"ويغذّي كثيراً من هذا التذبذب انتقالُ المستثمرين من صفقة زخمية إلى أخرى.
فمنذ بلوغ موجة الهلع من الحرب ذروتها في أواخر مارس/آذار، انطلق مؤشر أشباه الموصلات في مسار شبه عمودي، ليرتفع 87% منذ مطلع العام.
وقد تضاعفت قيمة سهم مايكرون أربع مرات، في حين تضاعف سعر سهمي إنتل وماربل تكنولوجي ثلاث مرات خلال عام 2026.
في المقابل، تراجعت مجموعة" المانيفيسنت سفن" من عمالقة التكنولوجيا بقيادة إنفيديا وأبل وألفابت منذ مطلع العام، بعدما أسهمت عام 2025 في تحقيق نحو 40% من مكاسب مؤشر إس آند بي 500، إذا احتُسبت ارتفاعات الأسعار والأرباح الموزعة.
أداء مؤشرات الأسهم والقطاعات في عام 2026أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعيموجة الديون تُعيد رسم المشاعر السوقيةيرى كثير من المستثمرين أن إعادة تقييم ما يُعرف بـ" الشركات الضخمة" المشيّدة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدأت في أواخر العام الماضي، حين أخذت شركات اشتُهرت بميزانياتها النظيفة، كأوراكل وسواها، في الاستدانة.
فقد أصدرت شركات مثل" أمازون" و" ألفابت" سندات بقيمة 60 مليار دولار بعملات متعددة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وتجاوزت مبيعات سنداتها من الدرجة الاستثمارية إجمالي عام 2025 بأكمله، وهو ما يرجَّح أن يبلغ توقعات" بي إن بي باريبا" البالغة 250 مليار دولار لهذا العام.
وقال جيك دولارهايد، الرئيس التنفيذي لشركة لونغبو لإدارة الأصول في تولسا بولاية أوكلاهوما: " الذكاء الاصطناعي يُثمر لمزودي المنتجات كصانعي الرقائق، أما المنفقون فلا يجنون ثماره.
لذلك تتراجع مجموعة (المانيفيسنت سفن) منذ مطلع العام، فهم المنفقون"، بحسب ما ذكرت" رويترز".
ويخشى بعض المستثمرين من أن يتسارع تراجع أسهم كبار المنفقين في التكنولوجيا نظراً لضخامة أحجامها.
وفي الأسبوع الماضي، خفّض بنك يو بي إس تعرّضه لأسهم أشباه الموصلات والأجهزة في محفظة الذكاء الاصطناعي لديه، محذراً من احتمال خفض الشركات الكبرى نفقاتها الرأسمالية مستقبلاً في ضوء تراجع أسعار أسهمها.
وأي تراجع من هذا القبيل سيطاول الاقتصاد على الأرجح، نظراً لضخامة ما تضخه كبرى شركات التكنولوجيا من إنفاق.
وقال ليباس: " المحرك الأكبر في النمو الاقتصادي هو الإنفاق المؤسسي والاستثمار"، في إشارة إلى خطط كبرى شركات البنية التحتية الرقمية للإنفاق بما يزيد عن 700 مليار دولار على المشاريع الرأسمالية في السنوات المقبلة، مضيفاً: " من الصعب جداً أن يحدث ركود اقتصادي حقيقي حين يكون المحرك الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي في نمو متصاعد".
مع ذلك، قد يكون الحديث عن خفض النفقات الرأسمالية سابقاً لأوانه، في ضوء مرونة الأسواق الأميركية على مرّ السنين.
ويبدو المشهد الاقتصادي الأميركي أشبه بلوحة من التناقضات المتشابكة: اقتصاد يُبدي صموداً لافتاً، وأسواق تترنّح تحت وطأة الغموض.
فلا البيانات الإيجابية كافية لطمأنة المستثمرين، ولا موجة الذكاء الاصطناعي قادرة وحدها على إخفاء الأثر المتصاعد لارتفاع تكاليف الاقتراض.
والأرجح أن الأسابيع المقبلة، مع انطلاق موسم النتائج، ستكشف ما إذا كانت قوة الأرباح وحدها تكفي لتبرير تقييمات بلغت مستويات قياسية، في زمن باتت فيه الديون تُعيد رسم ملامح كبرى شركات التكنولوجيا، في الوقت الذي تراهن فيه وول ستريت على عادتها القديمة في شراء الانخفاضات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك