لا تموت المدن حين تسقط أبراجها، ولا حين تُسوّى أحياؤها بالأرض، ولا حتى حين تتحول شوارعها إلى طبقات متراكمة من الركام والغبار؛ تموت المدن على نحوٍ أعمق وأشد قسوة حين تُجرَّد من قدرتها على" استقبال الغد"؛ حين يفقد المكان أهليته لأن يكون وعاءً للحياة من جديد، وتُنتزع منه القدرة على جذب السكان والاحتفاظ بهم، واستيعاب العمل والتعليم والخدمات والاستثمار، فيتحول من فضاءٍ قابل للحياة إلى فضاءٍ قابل للإدارة فقط.
فالمدن لا تموت حين يُهدم عمرانها فحسب، بل حين يُعاد تعريفها بحيث تفقد القدرة على أن تكون بيتًا للمستقبل.
من هذه الزاوية، لا يبدو ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة مجرد تدمير واسع النطاق فرضته حرب الإبادة المفتوحة، بل مشروعًا سياسيًا - عمرانيًا أعمق: " إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية في القطاع"، عبر نزع القابلية المستقبلية لبعض الأمكنة، ودفعها خارج دورة التعافي، وتحويلها من مراكز حضرية قابلة للاستعادة إلى تخوم أمنية رخوة، تعيش في المنطقة الرمادية بين الخراب والإعمار، وبين السكن المؤقت والحياة المستقرة.
إسرائيل لا تستهدف المكان بوصفه حاضنة للحاضر فقط، بل بوصفه حاضنة للغد؛ لا تدمره لأنها تريد إخضاعه الآن فحسب، بل لأنها تريد أن تتحكم بالشكل الذي سيبدو عليه القطاع بعد الحرب: أين سيتركز السكان؟ أي مناطق ستُبنى أولًا؟ أي مناطق ستظل مؤجلة؟ وأي أجزاء من غزة ستبقى جديرة بالحياة، وأيها سيُسمح لها بالبقاء من دون أن تُمنح شروط المدينة الكاملة؟بهذا المعنى، فإن ما يجري في المناطق المحتلة من القطاع (المنطقة الصفراء) لا يمكن قراءته بوصفه مجرد أثر جانبي للعمليات العسكرية، ولا حتى بوصفه سياسة عقاب جماعي فحسب، بل ينبغي فهمه من خلال منطق التخطيط الحضري الاستعماري؛ أي من خلال الكيفية التي تُستخدم بها الحرب لإعادة تشكيل العلاقة بين المركز والهامش، بين المناطق التي يُسمح لها باستعادة وظائفها، وتلك التي يُراد لها أن تبقى منخفضة الكثافة، محدودة الجاذبية، ضعيفة البنية، وسهلة الضبط.
وهنا تحديدًا تتحول إعادة الإعمار نفسها إلى جزء من الإشكال، حين تُختطف من معناها العمراني والإنساني لتغدو أداة لإنتاج غزة جديدة وفق منظور أمني إسرائيلي، لا وفق حاجات الفلسطينيين وحقهم في المكان.
يبرز في أدبيات العمران والنزاعات، مفهوم" قتل المدينة"، بوصفه فعلًا يتجاوز هدم المباني إلى استهداف المدينة باعتبارها فضاءً للحياة المشتركة، وللذاكرة، وللعلاقات الاجتماعية، وللوظائف العامة التي تجعل من التجمع البشري مدينة لا مجرد تجاورٍ سكني.
فالمدينة تُقتل حين تُضرب شبكاتها الحيوية: الماء، والكهرباء، والطرق، والمستشفيات، والمدارس، والجامعات، والأسواق، والبلديات، وسائر البنى التي تمنح المكان قدرته على الاستمرار بوصفه مجالًا للحياة لا مجرد حيز للبقاء.
من هنا، لا يكون القصف مجرد تدمير للمادة، بل عدوانًا على النسيج الوظيفي والرمزي للمجال الحضري؛ لكن ما جرى في غزة، وخصوصًا في شمالها وشرقها، يتجاوز حتى هذا المفهوم.
فنحن لا نقف فقط أمام" قتل المدينة" بمعناه التقليدي، بل أمام محاولة (إعدام قابليتها للحياة مستقبلًا).
فالمكان هنا لا يُستهدف لأنه قائم فقط، بل لأنه قد ينهض مجددًا؛ لا يُقصف لأنه مأهول الآن فحسب، بل لأنه قادر على استعادة أهله لاحقًا.
ولذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: كم منزلًا هُدم؟ ولا كم شارعًا سُوّي بالأرض؟ بل: أي أجزاء من غزة يُراد لها أن تفقد الأهلية لأن تكون مدينة مرة أخرى؟هذه النقلة من التدمير إلى إعدام المستقبل الحضري، هي ما يمنح المشهد في غزة دلالته الأخطر، فالمسألة لا تتعلق بوقف الحاضر عند حدّ الخراب، بل بإعادة إنتاج الجغرافيا على نحو يجعل بعض المناطق أقل قدرة على استعادة السكان، والخدمات، والتمويل، والوظائف العامة.
أي أننا لا نكون فقط أمام حرب على العمران، بل أمام سياسة مكانية تستهدف توزيع فرص الحياة داخل الإقليم نفسه، بحيث يغدو بعضه مؤهلًا للنجاة، وبعضه الآخر محكومًا بالبقاء خارج شروط التعافي الكامل.
لم تعد الحرب الحديثة تُدار بالسلاح وحده، بل كذلك عبر إدارة المكان، فالدولة الاستعمارية لا تكتفي بإخضاع السكان بالقوة المباشرة، بل تسعى إلى ضبطهم عبر إعادة تشكيل المجال الذي يعيشون فيه: أين يسكنون، كيف يتحركون، ما الكثافة المسموح بها، ما المسافة بينهم وبين الحدود، وأي مناطق يجب أن تبقى رخوة أو منخفضة الوظيفة أو مفتوحة على التدخل العسكري.
وهذا هو جوهر ما تسميه بعض أدبيات التخطيط السياسي بـالعمران الأمني (security urbanism)؛ أي إخضاع التخطيط الحضري لمنطق السيطرة، بحيث يُعاد تعريف المدينة لا بوصفها حقًا للسكان، بل بوصفها فضاءً للمخاطر ينبغي ترتيبه بما يضمن الحد الأدنى من «الهدوء» الأمني للقوة المسيطرة.
يبدو هذا المنطق حاضرًا بوضوح في الحالة الغزية.
فالمناطق المحتلة من القطاع والتي تشكل 70% من إجمالي مساحة القطاع الكلية، لا تعامل فقط كساحة اشتباك، بل كحيز يُعاد تخيّله أمنيًا بوصفه منطقة ينبغي أن تفقد كثافتها، وتُخفض وظيفتها، وتُربك قابليتها على التعافي.
هنا يصبح التدمير جزءًا من مخطط أوسع لإنتاج تخوم أمنية داخل الجغرافيا الفلسطينية نفسها: مناطق يُراد لها أن تبقى مفتوحة على احتمالات الاجتياح، ضعيفة البنية، محدودة الجاذبية، ومجردة من القدرة على العودة إلى دورها السابق كمراكز سكانية وعمرانية متصلة.
بهذا المعنى، لا تعيد إسرائيل رسم حدود غزة من الخارج فقط، بل تحاول إعادة رسم حدود الحياة داخلها.
ما الذي يمكن أن يعود في تلك المنطقة؟ كم يمكن أن يعود؟ ما نوع الكثافة المقبولة قرب الحدود؟ وأي جزء من القطاع ينبغي أن يبقى في حالة سيولة عمرانية دائمة؟ هذه ليست أسئلة هندسية محايدة، بل أسئلة سياسية بامتياز، لأنها تعكس انتقال إسرائيل من إدارة الحرب على غزة إلى إدارة شكل غزة بعد الحرب.
الهامش ليس معطًى جغرافيًّا طبيعيًّا، بل نتيجة لسياسات الحرمان والتأجيل وإعادة التوزيع، فالمكان لا يصبح هامشيًّا لأنه بعيد فقط، بل لأنه يُنزَع من دائرة الأولوية، وتُسحب منه الخدمات، وتُبطأ عودته إلى الحياة، ويُربط تعافيه بشروط لا تنتهي.
من هنا، فإن مفهوم «إنتاج الهامش» يصبح أحد أكثر المفاتيح تفسيرًا لما يجري في شمال غزة وشرقها.
لقد شكَّل شمال القطاع، ومعه مدينة غزة، القلب الإداري والسياسي والسكاني والرمزي للقطاع لعقود، فهناك تركزت المؤسسات، والجامعات، والأسواق، والمقار الإدارية، والكتلة السكانية الأكبر، مما جعل من شمال القطاع مركز الثقل الحضري الغزّي، لكن ما تفعله إسرائيل اليوم هو السعي إلى كسر هذه المركزية، لا عبر إعلان سياسي صريح، بل عبر دفع الشمال والشرق إلى منزلة" المكان المؤجل": مكان قد يبقى على الخريطة، لكنه لا يعود إلى وظيفته السابقة؛ قد يُسمح لأهله بالعودة إليه، لكن دون ضمانات للحياة؛ قد تُرمَّم فيه بعض البيوت، لكن من دون أن تُستعاد فيه شروط المدينة.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية، فالمدينة لا تستعيد نفسها بمجرد بناء المنازل، بل باستعادة كتلتها الحرجة من الوظائف: المدارس، والمستشفيات، والطرق، وشبكات المياه، والنقل، والإدارة المحلية، والأسواق، وفرص العمل، فإذا أعيد بناء البيت ولم تُبنَ المدينة من حوله، فإن العودة تتحول إلى إقامة معلقة، ويغدو المكان مجرد مساحة للسكن المؤقت لا فضاءً للاستقرار.
هذا هو الشكل الأشد قسوة من إنتاج الهامش: أن يُترك الناس في موطنهم، لكن من دون مدينة حقيقية تحيط بهم.
بكلمات أخرى، لا يستهدف التدمير الإسرائيلي الشمال والشرق بوصفهما منطقتين مأهولتين فقط، بل بوصفهما مناطق يجب أن تفقد جاذبيتها المستقبلية؛ أي أن الهدف ليس فقط إفراغهما الآن، بل إضعاف قدرتهما على استعادة الناس لاحقًا، وعلى اجتذاب التمويل والخدمات والنشاط الاقتصادي والحياة العامة.
وحين يفقد المكان هذه القدرة، فإنه لا يموت بيولوجيًا فقط، بل يموت حضريًا: يبقى موجودًا على الخريطة، لكنه يُطرد من المستقبل.
إذا استمر هذا المسار، فإن أخطر نتائجه لن تكون حجم الدمار وحده، بل إعادة توزيع الثقل الحضري داخل القطاع، أي أننا قد نكون أمام عملية صامتة لنقل المركز من شمال غزة ومدينة غزة إلى الوسط والجنوب، بحيث تتحول المنطقة الوسطى وجنوب القطاع إلى الحيز الأكثر قابلية للاستيعاب السكاني والخدمي والإغاثي، بينما يُدفع الشمال والشرق إلى منزلة الهامش الأمني أو المجال المؤجل.
هنا يصبح الحديث عن" القطاع المفيد" ممكنًا، على غرار نماذج عرفتها صراعات أخرى في المنطقة، حيث يُعاد بناء جزء من الإقليم لأنه الأكثر قابلية للإدارة والتمويل والضبط، فيما تُترك الأجزاء الأخرى في حالة من التعليق البنيوي؛ وإذا حدث ذلك في غزة، فإننا لن نكون أمام إعادة إعمار بالمعنى المتعارف عليه، بل أمام إعادة هندسة للمركز والأطراف: جنوب ووسط يجري تثبيتهما كمركز جديد للثقل السكاني والخدماتي، مقابل شمال وشرق يُعاد تعريفهما كمنطقة عالية المخاطر، قليلة الوظيفة، بطيئة التعافي.
هذا التحول لا يغيّر خريطة العمران فقط، بل يعيد ترتيب السياسة والمجتمع معًا، فالمركز ليس مجرد مكان تتجمع فيه الأبنية، بل هو المكان الذي تتجمع فيه السلطة، والاقتصاد، والرمزية، والقرار، وشبكات المصالح.
وإذا فقد الشمال مكانته المركزية، فإن ذلك سيعني تغيرًا في خرائط التمثيل الاجتماعي والاقتصادي والإداري داخل القطاع، وولادة بنية حضرية جديدة تُفرض بالحرب ثم تُكرَّس عبر الإعمار.
هنا نصل إلى النقطة الأكثر خطورة: إعادة الإعمار نفسها، ففي السياقات الطبيعية، يُفترض أن يكون الإعمار عملية لإعادة الحياة إلى ما دمرته الحرب، واستعادة النسيج الحضري، وتقليل الفوارق بين المناطق، وإعادة السكان إلى بيوتهم وأحيائهم ومجالاتهم الاجتماعية.
لكن في السياقات الاستعمارية، يمكن للإعمار أن يتحول إلى «امتداد للحرب بوسائل إدارية ومالية»؛ أي إلى آلية لإعادة تشكيل المجال وفق أولويات القوة المسيطرة لا وفق حقوق السكان.
في الحالة الغزية، لا يلوح الإعمار بوصفه شأنًا هندسيًا محايدًا، بل بوصفه ساحة صراع على من يملك حق تعريف غزة بعد الحرب.
فالنقاشات التي أحاطت - ولا تزال - باليوم التالي في القطاع، والمقاربات التي ربطت إعادة الإعمار بشروط أمنية إسرائيلية، أو بنزع السلاح، أو بآليات رقابة صارمة على المواد، أو بإعادة تنظيم المجال السكاني قرب الحدود، كلها تكشف عن أن الإعمار لا يُنظر إليه باعتباره حقًا للسكان بقدر ما يُنظر إليه باعتباره «أداة لضبط المجال»، وتحديد شكل التعافي المسموح به وحدوده.
وبذلك لا يعود السؤال: كيف تستعيد غزة حياتها؟ بل: أي قدر من الحياة ستسمح به إسرائيل؟ وأين؟ ولمن؟هذا هو جوهر سياسات إعادة الإعمار، حين تُخضع لمنظور أمني: لا يعود البناء استجابة للدمار، بل يصبح جزءًا من إدارته، فالمكان الذي تُضخ فيه الخدمات، والمدارس، والمستشفيات، ومشاريع الإسكان، وفرص العمل، سيستعيد الناس ويجذبهم، أما المكان الذي يُترك في طابور الانتظار، أو يُسمح له بحد أدنى من الترميم من دون استعادة البنية العامة، فسيفقد تدريجيًا قدرته على الاحتفاظ بسكانه، هكذا لا يعود السؤال: كيف سنبني غزة؟ بل: أي غزة سيُسمح لها أن تُبنى؟ وأي غزة سيُراد لها أن تبقى نصف مدينة ونصف معسكر؟يمكن النظر إلى شمال غزة وشرقها باعتبارهما مرشحين للتحول إلى «فضاء مؤجل»؛ أي منطقة لا تُستبعد رسميًا من الإعمار، لكنها تُترك في حالة من الإرجاء المزمن: إعمار جزئي، عودة غير مكتملة، خدمات متقطعة، بنية تحتية هشّة، ومخاطر أمنية دائمة، وهذا النوع من الفضاءات هو الأخطر في التخطيط الاستعماري، لأنه لا يعلن موت المكان كاملًا، بل يُبقيه حيًا بالحد الأدنى، بحيث يتحول إلى حيز قابل للإدارة لا إلى مدينة قابلة للحياة.
الفضاء المؤجل هو فضاء لا يملك زمنه؛ لا يعيش في الحاضر لأنه مدمر، ولا يدخل المستقبل لأنه ممنوع من التعافي الكامل، سكانه يعودون إلى أطلال لا إلى أحياء، ويقيمون في مساكن لا في مدينة، ويتلقون المساعدة بدلًا من أن يستعيدوا الحق.
هذا بالضبط ما يجعل مسألة «العودة» في غزة أكثر تعقيدًا من مجرد فتح الطريق إلى البيت، فالعودة الحقيقية لا تعني الوصول إلى البيت فحسب، بل العودة إلى المدينة بوصفها شرطًا للحياة: مدرسة، وشارع، ومياه، ومستوصف، وسوق، وعمل، وإدارة، وإحساس أولي بأن المكان لم يعد مجرد ساحة نجاة، فإذا سُمح للسكان بالعودة إلى شمال غزة وشرقه، لكن من دون هذه الشروط، فإن ما سيحدث لن يكون استعادة للمجال، بل إدارة للفقر العمراني، وإنتاجًا لحياة معلقة فوق حافة الانهيار، وهذا هو المعنى الأشد قسوة لفقدان القدرة على جذب المستقبل: أن يصبح المكان قابلًا للسكن نظريًا، لكنه غير قادر على استضافة الحياة فعليًا.
إذا أردنا صياغة الأمر بوضوح، فإن إسرائيل لا تسعى فقط إلى إضعاف غزة عسكريًا أو سياسيًا، بل إلى إعادة صياغة بنيتها الحضرية بما يخدم منطق السيطرة طويل المدى، فهي تريد قطاعًا أقل كثافة في أطرافه الشمالية والشرقية، أقل قدرة على التمركز قرب الحدود، أقل اتصالًا بمراكزه التقليدية، وأكثر اعتمادًا على مراكز جديدة يمكن ضبطها ومراقبتها وتوجيه مسارات الإعمار إليها.
إنها لا تريد فقط غزة منزوعة السلاح، بل تسعى، في الجوهر، إلى غزة منزوعة التوازن الحضري، وهذا هو الفارق بين إعادة الإعمار بوصفها استجابة إنسانية، وإعادة الإعمار بوصفها أداة استعمارية: في الحالة الأولى، يُعاد بناء ما تهدم لأن الناس لهم حق في مدينتهم، وفي الحالة الثانية، يُعاد بناء ما تسمح به القوة، بالطريقة التي تخدمها، وفي المكان الذي تراه أقل خطرًا.
أي أن الإعمار يتحول من فعل تعافٍ إلى تقنية حكم؛ من وعدٍ بإعادة الحياة إلى أداة لإعادة توزيعها.
المعركة القادمة في غزة لن تكون معركة أسمنت وحديد وموازنات ومؤتمرات مانحين فقط، بل معركة على (المعنى السياسي للعمران)، هل ستُبنى غزة بوصفها وحدة حضرية فلسطينية متصلة، تستعيد الشمال كما تستعيد الجنوب، وتتعامل مع الإعمار بوصفه حقًا لا منّة، وبوصفه استعادةً للمدينة لا مجرد إدارة للكارثة؟ أم ستُبنى وفق منطق أمني يعيد ترتيب السكان، ويخفض كثافة الأطراف، ويصنع مراكز جديدة وهوامش جديدة، ويحوّل بعض المناطق إلى فضاءات قابلة للنجاة لا للحياة؟ إن الخطر الأكبر ليس فقط في أن إسرائيل دمرت غزة، بل في أنها تحاول أن تجعل بعض أجزائها عاجزة عن الشفاء الكامل.
فهي لا تكتفي بتحويل المدينة إلى ركام، بل تسعى إلى تحويل الركام نفسه إلى سياسة؛ إلى جعل الخراب قاعدةً لإعادة رسم الجغرافيا، وجعل الإعمار بوابةً لإنتاج قطاع جديد: جنوبه مركز، وشماله وشرقه هامش، وبعضه مدينة، وبعضه منطقة أمنية تنتظر الإذن بالحياة، وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال عن عدد البيوت التي ستُبنى، بل عن حق المكان في أن يستعيد مستقبله، فالمسألة لم تعد متعلقة بإعمار ما هدمته الحرب فقط، بل بمنع الحرب من أن تفرض هندستها الخاصة على المستقبل الفلسطيني، لأن المدينة لا تُقتل حين تُقصف فحسب، بل حين يُعاد تعريفها على نحو يفقدها القدرة على أن تكون بيتًا للغد؛ وهذا تحديدًا هو ما تسعى إليه إسرائيل في غزة: ليس فقط تدمير العمران، بل مصادرة الأهلية الفلسطينية للمستقبل، وإعادة كتابة الجغرافيا تحت أنقاضها.
!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك