الرباط – «القدس العربي»: على بعد أقل من ثلاثة أشهر عن الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 أيلول/ سبتمبر المقبل، وضع تقرير استراتيجي جديد المشهد السياسي المغربي أمام حرج واضح، يتعلق بمدى تمثيلية المؤسسات المنتخبة ومستقبل المشاركة السياسية في البلاد، مؤكداً أن «الكتلة الصامتة» هي التي تتصدر المشهد الانتخابي، ويقصد بها الفئة التي لا تشارك في الاقتراع وتفضّل العزوف عن التصويت.
فبينما تنشغل الأحزاب السياسية بحسابات التحالفات والأغلبيات البرلمانية وترتيب مواقعها استعداداً للانتخابات المقبلة، خلص تقرير حديث إلى أن أكبر قوة سياسية في المغرب ليست حزباً أو تحالفاً انتخابياً، بل ملايين المواطنين الذين اختاروا الابتعاد عن صناديق الاقتراع.
التقرير الذي تلقت «القدس العربي» نسخة منه، أنجزه «المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة» تحت عنوان: «المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب: أزمة الوساطة، والفئة الصامتة، ورهانات الديمقراطية الحديثة في أفق 2035».
ويقدم قراءة شاملة للتحولات السياسية والانتخابية التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة، مع استشراف مآلاتها خلال السنوات المقبلة.
وترى الدراسة أن اتساع دائرة العزوف الانتخابي لم يعد مجرد مؤشر عابر، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه الديمقراطية التمثيلية في المغرب.
كما ترسم صورة مركبة للمشهد السياسي تتداخل فيها أزمة الثقة مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الوساطة الحزبية وقدرتها على استعادة ثقة المواطنين.
ومن أبرز الخلاصات التي توقف عندها التقرير أن نسب المشاركة الانتخابية المتداولة لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للتمثيل السياسي.
وعاد إلى انتخابات 2021، التي سجلت نسبة مشاركة تجاوزت 50 في المئة من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية، ليوضح أن عدد المواطنين المؤهلين للتصويت تجاوز 25 مليون شخص، بينما لم يتجاوز عدد المصوتين الفعليين 8.
8 ملايين ناخب.
وبلغة الأرقام، يعني ذلك أن نحو 16 مليون مواطن ظلوا خارج العملية الانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء بسبب عدم التسجيل أو بسبب الامتناع عن التصويت.
وهو رقم يجعل «الفئة الصامتة» أكبر من القاعدة الانتخابية لأي حزب سياسي مغربي.
ويرى معدّو التقرير أن هذا الواقع يطرح إشكالاً يتعلق بشرعية التمثيل الديمقراطي، إذ تصبح المؤسسات المنتخبة معبرة عن جزء محدود من الجسم الانتخابي، بينما تبقى أغلبية واسعة خارج دائرة المشاركة والتأثير.
ومن النقاط التي أثارها التقرير أيضاً ما يسميه بـ «التطاير الانتخابي»، أي الانتقال السريع والواسع للأصوات بين الأحزاب من استحقاق انتخابي إلى آخر.
ولتأكيد هذه القراءة، استحضر التقرير نتائج انتخابات 2016 التي تصدر فيها حزب «العدالة والتنمية» المشهد السياسي بـ 125 مقعداً برلمانياً، قبل أن يتراجع في انتخابات 2021 إلى 13 مقعداً فقط.
وفي المقابل، قفز حزب «التجمع الوطني للأحرار» من 37 مقعداً إلى 102 مقعد، فيما حققت أحزاب أخرى مكاسب مهمة خلال الفترة نفسها.
وحسب التقرير، فإن هذه التحولات الحادة لا تعكس بالضرورة تغيرات إيديولوجية عميقة داخل المجتمع المغربي، بقدر ما تكشف هشاشة الولاءات الحزبية وتصاعد ما يعرف بالتصويت العقابي المرتبط بالظروف السياسية والاقتصادية الظرفية.
واعتبر التقرير أن أحد أسباب العزوف الانتخابي يتمثل في تراجع الفوارق الواضحة بين الأحزاب السياسية.
فمعظم الأحزاب الكبرى تقدم برامج متقاربة في عدد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل الناخب يجد صعوبة متزايدة في التمييز بين المشاريع السياسية المختلفة.
ويؤدي هذا التقارب، حسب الدراسة، إلى إضعاف الحافز على المشاركة وتعزيز الشعور بأن نتائج الانتخابات لا تفضي إلى تغييرات جوهرية في السياسات العمومية.
كما لم يغفل التقرير الحديث عن ضعف الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب، موضحاً أن ذلك يسهم بدوره في تراجع الثقة، حيث تحسم الترشيحات واختيار القيادات غالباً داخل دوائر ضيقة، بدل أن تكون ثمرة تنافس ديمقراطي مفتوح.
وفي هذا السياق، يعتبر التقرير أن الأحزاب السياسية لم تعد تؤدي بالفعالية نفسها دور الوسيط بين المجتمع والدولة، وهو الدور الذي يفترض أن يقوم على نقل مطالب المواطنين وتحويلها إلى برامج وسياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
ويضيف أن المواطن لا يرى في كثير من الأحيان أثراً مباشراً لصوته على القرارات والسياسات العمومية، ما يدفعه إلى الانسحاب التدريجي من الحياة السياسية.
ومع تكرار هذا الشعور عبر دورات انتخابية متتالية، يتحول الامتناع عن المشاركة من موقف احتجاجي مؤقت إلى سلوك دائم.
ورغم قتامة التشخيص الذي يقدمه التقرير، فإنه يرصد في المقابل بعض المؤشرات الإيجابية القابلة للبناء عليها.
من أبرزها التطور الملحوظ في تمثيلية النساء داخل البرلمان المغربي، حيث ارتفع عدد البرلمانيات من 35 مقعداً سنة 2002 إلى 96 مقعداً سنة 2021، لترتفع نسبة التمثيل النسائي من 10 في المئة إلى أكثر من 24 في المئة خلال عقدين.
ويرى التقرير أن هذا التطور يؤكد أن الإصلاحات المؤسسية، متى توفرت لها الإرادة السياسية وآليات التنفيذ المناسبة، قادرة على إحداث تغييرات ملموسة وقابلة للقياس.
أما المعطى المفاجئ الذي أورده التقرير فيتعلق بالشباب المغربي، الذي لا يبدو بعيداً عن السياسة بقدر ما يبدو بعيداً عن قنواتها التقليدية.
فالشباب حاضر بقوة في النقاشات العمومية عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لا يترجم هذا الاهتمام إلى انخراط حزبي أو مشاركة انتخابية.
ووفق التقرير، فإن الشباب لم يغادر السياسة، بل غادر أشكال ممارستها التقليدية، بعدما أصبحت الأحزاب في نظر كثيرين مؤسسات غير قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والرقمية المتسارعة.
وترى الدراسة أن استعادة ثقة هذه الفئة تمر، عبر تحديث أدوات العمل الحزبي، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وخلق فضاءات جديدة للمشاركة والتفاعل.
ويؤكد التقرير أن العامل الاقتصادي يظل حاضراً بقوة في تفسير ظاهرة العزوف الانتخابي، خاصة ارتفاع معدلات البطالة، في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، الذي يشكل أحد العوامل الرئيسية وراء تراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة.
وأوضح التقرير أن المواطن الذي يواجه يومياً تحديات التشغيل وغلاء المعيشة يصبح أقل اهتماماً بالمشاركة السياسية ما لم يلمس نتائج ملموسة للسياسات العمومية على حياته اليومية.
كما خصص التقرير حيزاً مهماً لدور الإعلام في تشكيل الوعي السياسي، مبرزاً أن المغرب يعرف انتشاراً واسعاً للإنترنت تجاوز 90 في المئة من السكان، بينما أصبحت الشبكات الاجتماعية مصدراً رئيسياً للمعلومة السياسية لدى شرائح واسعة من الشباب.
وفي المقابل، سجل التقرير تراجع حضور البرامج السياسية الحوارية في التلفزيون مقارنة بما كان عليه الوضع خلال العقد الماضي، ما أدى إلى انتقال جزء كبير من النقاش السياسي إلى المنصات الرقمية.
ويرى معدو الدراسة أن هذا التحول يفتح فرصاً جديدة للمشاركة والانخراط في الشأن العام، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر مرتبطة بانتشار الأخبار الزائفة، والاستقطاب الحاد، وضعف النقاشات المعمقة.
ويخلص التقرير إلى أن مستقبل المشهد السياسي المغربي لن يتحدد فقط بنتائج الانتخابات المقبلة، بل بقدرة الأحزاب والمؤسسات على استعادة الثقة المفقودة لدى فئات واسعة من المواطنين.
فالتحدي الحقيقي، وفق الدراسة، لا يكمن في رفع نسب المشاركة فحسب، وإنما في بناء علاقة جديدة بين المواطن والسياسة، تقوم على الشفافية والمحاسبة والفعالية الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن نجاح المغرب في تقليص حجم «الفئة الصامتة» وتجديد النخب السياسية وتحسين الأوضاع الاقتصادية، قد يحول العقد المقبل إلى مرحلة لإعادة بناء الثقة الديمقراطية.
أما إذا استمرت المؤشرات الحالية على حالها، فقد يصبح العزوف الانتخابي السمة الأبرز للمشهد السياسي المغربي في أفق سنة 2035.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك