ليست كل الروايات المضللة تُصنع من اختلاق الوقائع، فبعضها يُصنع باجتزاء الحقيقة.
يكفي أن تقتطع سطرًا من كتاب، وتتجاهل ثلاثين صفحة تسبقه وتليه، حتى يتحول التوثيق إلى تضليل، والإنجاز إلى اتهام، والنجاح إلى فشل.
وهذه من أخطر وسائل تزوير الوعي؛ لأنها لا تعتمد على الكذب الصريح، بل على الانتقاء المتعمد لما يخدم رواية سياسية أُعدت سلفًا.
وهذا بالضبط ما حدث مع تجربة محفظة السلع الاستراتيجية.
فبدلًا من مناقشتها بوصفها واحدة من أهم التجارب الاقتصادية التي شهدها السودان بعد ثورة ديسمبر، جرى تقديمها للرأي العام من خلال عدسة سياسية ضيقة لا ترى إلا ما تريد أن تراه، وتتجاهل عمدًا ما لا يخدم موقفها.
والأسوأ من ذلك أن بعض من تصدوا لنقدها استندوا إلى دراسة كتبها الرجل الذي أدار التجربة بنفسه، ثم نسبوا إليه ما نفى هو نفسه أن يكون قد قاله، وقفزوا فوق الوقائع والأرقام التي وثقها، ليخرجوا للقارئ برواية تختلف جذريًا عن مضمون الدراسة نفسها.
ولأن الحقيقة لا يحميها الصمت، ولأن الاقتصاد لا يُناقش بالشعارات ولا بالخصومات السياسية، كان لا بد من العودة إلى الوثيقة الأصلية، وإلى الأرقام، وإلى ما حدث بالفعل، بعيدًا عن الضجيج الذي حاول أن يحول واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية إثارة للاهتمام إلى مجرد “أسطوانة مشروخة”.
حين يكتب صحفي بحجم عادل الباز عن الاقتصاد، يفترض القارئ أنه أمام قراءة متأنية للوقائع والأرقام، لا أمام مرافعة سياسية تبحث عن إدانة جاهزة ثم تفتش لها عن الأدلتها.
لكن ما حدث مع محفظة السلع الاستراتيجية كان مختلفًا تمامًا.
فقد اطلع عادل الباز على دراسة الأستاذ عبد اللطيف عثمان محمد صالح، رئيس اللجنة التنفيذية لمحفظة السلع الاستراتيجية خلال الفترة الانتقالية، ثم انتقى منها ما يخدم روايته، متجاوزًا عشرات الصفحات التي شرحت فلسفة المحفظة، وآلية عملها، وهيكل حوكمتها، وإنجازاتها، وتحدياتها، والدروس المستفادة منها.
وبعد ذلك خرج ليحدثنا عما أسماه “أسطوانة المحفظة”، مستندًا إلى مقال للدكتور مزمل أبو القاسم، رغم أن مقال مزمل نفسه تضمن إقرارًا واضحًا بأهمية وجود محفظة للوقود ودورها في حماية سعر الصرف والحد من انفلات السوق.
لقد تجاهل الكاتب عمدًا أن محفظة عام ٢٠٢٠ لم تكن شركة لاستيراد الوقود، ولم تكن تاجرًا يحتكر السلع، ولم تكن مشروعًا سياسيًا لقوى الحرية والتغيير كما يحاول البعض تصويرها.
كانت ببساطة آلية مصرفية مبتكرة لتوفير النقد الأجنبي بعيدًا عن السوق السوداء، عبر شراء الذهب بالجنيه السوداني، وتصديره، ثم استخدام حصائله لفتح الاعتمادات المستندية لاستيراد الوقود والدواء والقمح والسلع الاستراتيجية.
وهذه ليست روايتي، وإنما هي الرواية التي وثقها الرجل الذي أدار التجربة بنفسه في دراسة فنية مدعومة بالأرقام والسجلات وأسماء البنوك والمساهمين وآليات الحوكمة والعطاءات ونتائج التشغيل.
ومع ذلك، لم يناقش عادل الباز هذه الآلية، ولم يدحضها علميًا، ولم يبين أين أخطأت فلسفتها الاقتصادية، بل اختزل التجربة كلها في الطريقة التي انتهت بها بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وكأن المطلوب محاكمة سيارة لأنها تعرضت لحادث بعد أن انتزع أحدهم مقودها من السائق.
بل إن دراسة عبد اللطيف نفسها تؤكد أن الانقلاب غيّر البيئة السياسية والاقتصادية بالكامل، وأن ما أعقبه من تفكيك للآلية وعودة الفوضى إلى سوق النقد والذهب والوقود أدى إلى ضياع ما تحقق من استقرار.
واليوم، بعد مرور سنوات على ذلك، ماذا يقول الواقع؟ الدولار الذي كان قد استقر نسبيًا قفز إلى مستويات غير مسبوقة، والسوق الموازية التي انكمش نفوذها استعادت سيطرتها على سعر الصرف، وأصبح الوقود رهينة للاستيراد العشوائي، وغرامات التأخير، وشراء العملات الأجنبية من السوق السوداء، تمامًا كما حذرت الدراسة.
وتكمن قيمة دراسة الأستاذ عبد اللطيف عثمان محمد صالح في أنها ليست مقالًا سياسيًا ولا مذكرة دفاع عن أشخاص، وإنما وثيقة اقتصادية وفنية تستند إلى الوثائق والسجلات والأرقام، توثق نشأة المحفظة في ظروف انهيار اقتصادي غير مسبوق، وتشرح فلسفتها وآلياتها ونتائجها، كما تناقش بموضوعية التحديات التي واجهتها والدروس المستفادة منها.
ولهذا فإنها تمثل المرجع الأهم لأي نقاش جاد حول التجربة، لا مجرد رأي سياسي عابر يمكن الاتفاق معه أو الاختلاف حوله.
والجدير بالملاحظة أن شهادة الدكتور مزمل أبو القاسم الأخيرة حملت، من حيث لا يقصد، دفاعًا عن الفكرة التي ظل يهاجمها لسنوات.
فالرجل الذي كان من أبرز منتقدي محفظة السلع الاستراتيجية في عهد الحكومة الانتقالية عاد اليوم ليكتب بحسرة عن محفظة الوقود التي أُنشئت بعد الانقلاب، مؤكداً أن إلغاءها أدى إلى انفلات سعر الدولار، وعودة الشركات إلى شراء العملات الأجنبية من السوق الموازية، وارتفاع أسعار الوقود، وتهديد الاقتصاد بالانهيار.
وهنا يبرز سؤال مشروع؛ إذا كانت المحفظة آلية اقتصادية فاشلة كما صُورت بالأمس، فلماذا أصبحت اليوم ضرورة لحماية الجنيه واستقرار السوق؟ ولماذا تحول الدفاع عنها إلى موقف صحيح عندما ارتبط بسلطة ما بعد الانقلاب؟ أما أن يتعرض مزمل نفسه لهجوم من صديقه عادل الباز لمجرد أنه أقر بفائدة وجود محفظة، فإن ذلك يكشف أن الخلاف لم يعد حول الحقائق الاقتصادية، وإنما حول المواقف السياسية، وأن بعض الأقلام باتت مستعدة لمهاجمة أي رأي، حتى لو صدر من حليف الأمس، متى ما اصطدم بالرواية التي تريد فرضها على الناس.
ولم يكن أخطر ما حدث لمحفظة السلع الاستراتيجية أنها توقفت، بل أنها أُوقفت في اللحظة التي بدأت فيها تؤتي ثمارها.
فلقد نجحت نجحت المحفظة في تحقيق استقرار نسبي لسعر الصرف، وتقليص دور السوق الموازية بعد أن وفرت النقد الأجنبي عبر حصائل صادر الذهب بدلًا من لجوء المستوردين إلى شراء الدولار من السوق السوداء.
كما أسهمت في ضمان الانسياب المنتظم للوقود والدواء والسلع الاستراتيجية، وفي تكوين موارد معتبرة من النقد الأجنبي داخل بنك السودان تجاوزت، وفق تقديرات الدراسة، ١,٨ مليار دولار من حصائل الذهب التي استخدمت في تمويل الواردات الاستراتيجية.
ثم جاء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ليوقف هذه الآلية، ويعيد السوق الموازية إلى مركز القيادة، ويفتح الباب أمام رحلة انهيار الجنيه التي لا يزال السودانيون يدفعون ثمنها حتى اليوم.
ولعل أكبر دليل على قيمة تلك التجربة أن معظم الأزمات التي كانت قد خففت من حدتها عادت اليوم بصورة أشد قسوة، فعاد السودان عمليًا إلى نقطة الصفر.
ولا يدعو عبد اللطيف في دراسته إلى استنساخ تجربة عام ٢٠٢٠ بحذافيرها، بل يدعو إلى الاستفادة من دروسها.
فهو يوضح أن ظروف الحرب الحالية تجعل نجاح أي محفظة أكثر صعوبة بسبب انهيار الجهاز المصرفي، وتعطل نظام التحويلات الدولية، وتراجع إنتاج الذهب، وتعدد مراكز السيطرة على الموارد.
لكنه يؤكد، في الوقت نفسه، أن السودان، إذا استعاد الحد الأدنى من الاستقرار والمؤسسية، يملك من الذهب والموارد والقطاع المصرفي ما يسمح بإعادة بناء آلية أكثر تطورًا وشفافية وكفاءة من المحفظة السابقة.
وفي المحصلة، تبقى الحقيقة التي لا يستطيع أحد محوها أن السودان لا يفتقر إلى الموارد، وإنما يفتقر إلى الإدارة الرشيدة.
لقد أثبتت تجربة محفظة السلع الاستراتيجية، بكل ما لها وما عليها، أن بالإمكان ابتكار حلول سودانية لمشكلات سودانية عندما تتوافر الإرادة، والحوكمة، والشراكة الحقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.
نعم، انتهت التجربة قبل أن تبلغ كامل مداها، لكن الذي أنهى التجربة لم يكن فشل فكرتها، وإنما الانقلاب، ثم الحرب، ثم انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الاقتصاد.
واليوم، بينما يعيش السودان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، ويعاني المواطن من الانهيار المتواصل للجنيه، وشح النقد الأجنبي، وارتفاع أسعار الوقود والدواء، فإن الرسالة الأهم التي تحملها دراسة عبد اللطيف ليست البكاء على الماضي، وإنما الدعوة إلى بناء نموذج أكثر تطورًا وكفاءة، يستفيد من نجاحات التجربة ويتجاوز أخطاءها.
فالأمم لا تنهض لأنها ترفض تجاربها، وإنما لأنها تتعلم منها.
أما دفن كل تجربة ناجحة لأنها ارتبطت بمرحلة سياسية لا تعجب البعض، فليس نقدًا اقتصاديًا، بل إصرار على إعادة إنتاج الفشل، وإهدار لفرصة قد يحتاجها السودان أكثر من أي وقت مضى وهو يحاول انتشال اقتصاده من تحت أنقاض الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك