من نافلة القول أنَّ الحرب التي تدور رحاها في السودان لا تُقارن بالتي شنّتها وتشنّها إسرائيل على قوات حزب الله في لبنان.
ليس الاختلاف في المسبّبات أو أساليب القتال، بل أوضح وجوه الاختلاف يتمثّل بمدى توافر الحكمة في المقاربات التي تحكم المساعي لإيقاف تينك الحربَين: الأولى في لبنان بين جيش إسرائيل ومليشيا حزب الله، والثانية في السودان بين الجيش السوداني وربيبته، من مليشيا الدعم السريع، التي كان قد أنشأها فانقلبت عليه في نهاية المطاف.
خسر البلدان الخسارة الكُبرى: خسر لبنان بشراً وبنى تحتية، لأسباب تتّصل مباشرة بمليشيا حزب الله المدعومة من إيران، والتي تهاجم إسرائيل، وإسرائيل هي التي ألحقت الأذى بلبنان.
أمّا في السودان، فهناك مليشيا تستهدف إضعاف الجيش الرسمي، لكنّها مليشيا عمياء لا تميّز من تقتل، جنوداً مدجّجين بالسلاح أو مدنيين أبرياء عزّلاً، على حد سواء.
تستهدف، من دون تمييز، بصواريخها ومسيّراتها قواعد عسكرية للجيش السوداني، وتدمّر، في ما تدمّر، مقومات الدولة السودانية من مستشفيات ومؤسّسات تعليمية ومطارات ومتاحف وأعيان مدنية.
في الحالين، يتدفّق العتاد الثقيل من خارج أراضيهما.
ثمّة مَن يتّهم إيران في حال حزب الله، ومَن يتّهم دولة الإمارات في حال مليشيا الدعم السريع.
تنظر حولك لترى أنّ من يدفع الأثمان الباهظة هم نساء وكهول وشباب وأطفال أبرياء، يهيمون على وجوههم وكأنّهم في يوم لا ظلّ فيه إلا ظلّ الله.
يُفاجأ المجتمع الدولي بعدم رغبة قادة الجيش في إيقاف ماكينة القتل إلا إذا قُضي على المليشيا المتمرّدة حتى آخر جنديلا يكفّ الساعون، هنا وهناك، عن التذكير بالحكمة، على الرغم من غشم الحروب الطاحنة التي تدور في الشام، ذلك الذي كان يوماً هلالاً خصيباً، كما في السودان الذي كان يوماًغ سلّة غذاء العالم.
لكن مَن إلى الاحتكام إلى الحكمة لاقى جدراناً صلدة أحياناً، ومن جهر بصوت الحكمة لاقى آذاناً صمّاء في أحيان أخرى.
في جهة لبنان، تجد وساطةً عاقلةً ناشدت المتقاتلين أنّ من يدفع الثمن الباهظ هو الشعب اللبناني، فتنادوا إلى الجلوس إلى طاولة الحوار، بضغوط من هنا وهناك، فوصل الطرفان اللدودان إلى ما يشبه اختراقاً قد يُحدث في تلك الجدران الصلدة فتحاً، ويُسمع الآذان الصماء صوتاً.
لا بدّ للحكمة أن تسود، وإن كان لها ثمن، لكنّه، بالمقاييس كلّها لن يكون مثل ذلك الثمن الباهظ الذي تُزهق فيه أرواح الناس، وتُهدم منازلهم، وتُحرق مزارعهم.
يتعشّم اللبنانيون أن تلين جوانب الألدّة ممَّن معهم، وجوانب أولئك المعتدين الظالمين في إسرائيل، فتنزاح الظلمة.
لنا أن نحسن الظنّ بتوافر الحكمة عند قيادة حزب الله في لبنان، فإن حسب متطرّفو إسرائيل من نوع بن غفير وسموتريتش، ممَّن قلّموا أظافر حزب الله في لبنان، فإنّ الفكرة لا تهزمها المجنزرات، ولا تهزّها المسيّرات، إذ إنّهم، ومن لفّ لفّهم، واهمون.
يبقى خيار الاتفاق الإطاري عبر الحوار مع عدوك اللدود هو خيار الحكمة المطلوبة والحلّ المأمول.
في جانب السودان وجنرالاته، فإنّ الإصرار على القتال للقضاء على آخر مليشياوي من أتباع مليشيا الدعم السريع لا يبدو مدخلاً حكيماً لإيقاف نزف الدم الذي أودى بآلاف الأرواح، وجرح الآلاف المؤلّفة، ودمّر مقوّمات البلاد، وترك اقتصادها قاعاً صفصفاً.
إذا كان خيار لبنان هو الحوار مع ألدّ أعدائه في التاريخ والجغرافيا والعقيدة، وتحقّق له ما قد تحقّق، فما الذي يدفع السودانيين إلى التمنّع عن تفاوض بعضهم مع بعض، في ظلّ حرب أو هدنة؟دار حوار غير مباشر بين لبنان وإسرائيل، وما كان في ظلّ هدنة، بل إبّان قتال شرس يدور، عجز الوسيط الذي جمع الطرفين عن إيقافه.
لكن تمكّن الطرفان، بعد شدّ وجذب، وبعد جزرة ممدودة وعصا مرفوعة، من الركون إلى الحكمة، ثمّ إلى التوافق على الحدّ الأدنىع الذي قد يعيد الأمان والاستقرار.
أيكون ما صنعه الحدّادون بين السودانيين وهم يقاتلون أنفسهم أشدّ فتكاً وأعمق جرحاً ممّا صنعه الحدّادون بين اللبنانيين والإسرائيليين؟لو كان الحدّادون، اصطلاحاً وافتراضاً، هم صنّاع آلات القتل، غرباء عن السودان، متورّطين في تحريض أطراف سودانية، لربّما كان الخيار الأكثر منطقية أن تبادر السلطات في السودان إلى إقناع الوسطاء والفاعلين من المجتمع الدولي بقطع أيدي أولئك الغرباء، فتكفّ عن تزويد الأطراف السودانية خفية بالعتاد القاتل، فيكون وقف الحرب أقرب.
تسمع تصريحات تصدر عن حكومة الجيش، مردّها، في ما يبدو، هو الرغبة في الانتقام والتشفّي من قوات الدعم السريع، تلك التي حالفتهم، ثمّ خانتهم بليل في المنعطف.
عضّوا يد الجيش التي زوّدتهم بالسلاح، ثمّ انتهكوا حقوق المدنيين الأبرياء، ودمّروا الديار، ونهبوا الممتلكات، واغتصبوا النساء، وقصموا ظهر الدولة.
ثمّ يأتي الجيش الرسمي للتصدّي للمليشيا بكلّ ما في يده من مجنزرات وطائرات ومسيّرات، ففعل بالمدنيين ما فعلته قوات المليشيا المتمرّدة بهم.
هذا الخراب الممنهج، وقد تورّط فيه طرفا الحرب معاً، هو الذي شرّد أهل البلاد.
هنالك القتل العشوائي الذي يدور ليل نهار بلا تمييز، وتسبّب في أوضاع إنسانية مزرية، يُسأل عنها الطرفان المتقاتلان.
شاهدت عيون العالم، عبر فضائياته، كيف ظلّ الآلاف من السكّان السودانيين يضربون في البرية، لا مشرب ولا مأكل ولا مأوى ولا علاج ولا تعليم، لتصنّفها الهيئات الدولية المسؤولة كارثةً من أفظع الكوارث الإنسانية في تاريخ البشرية.
الإصرار على القتال للقضاء على آخر مليشياوي من أتباع مليشيا الدعم السريع لا يبدو مدخلاً حكيماً لإيقاف نزف الدم الذي أودى بآلاف الأرواحيعجب واحدنا من أن يرى انعدام الحساسية تجاه تلك الأوضاع المأساوية، فيفاجأع المجتمع الدولي، ومعه الوساطات المرقّمة، من رباعية وخماسية وسواهما، بعدم رغبة قادة الجيش في إيقاف ماكينة القتل إلا إذا قُضي على المليشيا المتمرّدة حتى آخر جندي من قواتها.
تتهدّد المجاعة الآلاف، ولا غذاء ولا دواء ولا خدمات.
أمّا الجنيه السوداني، الذي كان، ذات يوم ليس ببعيد، يعادل نحو جنيهين ونصف جنيه إسترليني، فلا يساوي اليوم سوى خردلة، وقد فقد قيمته تماماً، وقد بلغ سقوطاً ليس بعده سقوط، ثمّ يواصل إعلام حكومة الجيش مناداة السودانيين، وهم يعانون الأمرّين في مهاجرهم القسرية، ليبادروا بالعودة إلى البلاد، بزعم أنّ الأحوال قد هدأت، وأنّ الأمن قد استتب.
غير أنّ الحقيقة غير ذلك، إذ الأحوال مزالق للأهوال، والأوبئة الفتّاكة ضيوف في كلّ بيت وكلّ دار، ومرضى النفوس وبقايا اللصوص، مع تجار الحروب، هم قتلة الحرب الدائرة، المصمّمون على الفتك، لا بمليشيا الدعم السريع وأعوانها فحسب، بل بسكّان البلاد عن بكرة أبيهم، فلا يبقى فيهم والد ولا ولد، ولا دار ولا سقيفة.
يا للمشهد المروّع… ويا للأسف! لكأنّ ثمّة لعنة حاقت بالبلاد لتصير قاعاً صفصفاً على أيدي من سلّطهم الرب على رقاب عباده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك