أكد الفريق ياسر الطودي قائد قوات الدفاع الجوي أن العالم يشهد تحولًا جذريًا في طبيعة الحروب والصراعات المسلحة، حيث انتهى زمن المعارك التقليدية التي تعتمد على الحشود الكبيرة من القوات، وأصبحت التكنولوجيا هي العامل الحاسم في موازين القوى العسكرية.
وأوضح أن الاستخدام الموسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي أحدث طفرة كبيرة في إدارة العمليات العسكرية، وأسهم في تغيير مفاهيم القتال الحديثة، مشيرًا إلى أن أبرز تطبيقاته تتمثل في تنفيذ العمليات النفسية من خلال نشر الدعاية والتضليل والتأثير على الرأي العام، فضلًا عن تحليل البيانات، وتوجيه الأسلحة والطائرات المسيرة، ودعم متخذ القرار، وتنفيذ الهجمات السيبرانية، وإدارة منظومات الإمداد واللوجستيات، إلى جانب تطوير أنظمة الدفاع الجوي.
وأضاف أن هذه التطورات غيرت أنماط الصراعات من الحروب التقليدية إلى الحروب الذكية، ومنحت الجيوش قدرات قتالية غير مسبوقة، كما جعلت ميزان الردع بين أطراف الصراع أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
أبرز التهديدات التي تواجه منظومة الدفاع الجويوأشار قائد قوات الدفاع الجوي إلى أن التطورات المتلاحقة في وسائل الهجوم الجوي فرضت تحديات جديدة أمام منظومات الدفاع الجوي، وفي مقدمتها الأسلحة بعيدة المدى التي تمتلك القدرة على إصابة أهدافها من مسافات هائلة، بحيث لم تعد المسافات الجغرافية تمثل حصنًا منيعًا ضد التهديدات المحتملة، وهو ما أدى إلى إعادة تعريف مفاهيم السيادة والأمن القومي.
وأوضح أن الصواريخ الباليستية والفرط صوتية تمثل أحد أخطر هذه التهديدات، مبينًا أن الصواريخ الباليستية التقليدية تجمع بين السرعات العالية وتعدد وسائل التوجيه، وتسير في مسار مقوس يمكن التنبؤ به، إلا أنها شهدت تطورًا هائلًا خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن من أبرز صور هذا التطور إطلاق الصواريخ من الطائرات على مسافات بعيدة خارج مدى أنظمة الدفاع الجوي، واستخدام المركبات الانزلاقية الفرط صوتية (HGVs)، التي تنفصل عن الصاروخ وتنطلق نحو الهدف بسرعة تزيد على خمسة أضعاف سرعة الصوت مع قدرتها العالية على المناورة، إلى جانب استخدام المركبات متعددة الرؤوس الحربية (MIRVs) القادرة على استهداف مواقع مختلفة في وقت واحد، بما يصعب معه التنبؤ بنقاط سقوطها.
وأشار إلى أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذه الصواريخ منحها القدرة على تعديل مساراتها تلقائيًا استجابة لتهديدات الدفاع الجوي، والتعرف على الأهداف وتصنيفها وتحديد أولويات الاشتباك معها، فضلًا عن دعم عملية اتخاذ القرار وتوجيه الرؤوس الحربية المتعددة إلى أهداف منفصلة.
وأكد أن هذا التطور يمثل تحديًا كبيرًا لأنظمة الدفاع الجوي الحالية، التي صُممت أساسًا لاعتراض الصواريخ الباليستية ذات المسارات المتوقعة، وهو ما يجعل مستقبل الحروب أكثر تكلفة وتعقيدًا وخطورة.
وأضاف أن الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة أصبح أحد أبرز ملامح الحروب الحديثة، بعدما أثبتت قدرتها على تغيير موازين القوى وتحقيق أهداف العمليات العسكرية بكفاءة عالية وتكلفة منخفضة، خاصة بعد دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي بها، بما يمكنها من تنفيذ مهام الاستطلاع، وتحليل البيانات، واتخاذ القرار، وتنفيذ الهجمات بصورة مستقلة أو من خلال العمل بنظام الأسراب.
كما تناول الفريق ياسر الطودي الحروب السيبرانية باعتبارها أحد أخطر ميادين الصراع الحديثة، موضحًا أنها تعتمد على استخدام الحواسب وشبكات الإنترنت لتنفيذ هجمات إلكترونية ضد البنية التحتية، حتى أصبح الفضاء السيبراني ميدانًا مستقلًا للصراعات، وأضحى التفوق التقني مرادفًا للسيادة السياسية والعسكرية، بما يمنح أطرافًا أقل حجمًا قدرة أكبر على التأثير في مجريات الصراعات وفرض تحديات جديدة على نظريات الردع الإستراتيجي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك