تتجه الأنظار في الدور الثاني من نهائيات كأس العالم 2026 نحو مواجهة مرتقبة تجمع بين المنتخبين الجزائري والسويسري، حيث يدون هذا اللقاء المونديالي السطر الأول في سجل المواجهات الرسمية بين الطرفين في بطولة كبرى، بعد تاريخ مقتصر على مباراتين وديتين في ثمانينيات القرن الماضي، الأولى عام 1983 بالجزائر وانتهت لصالح سويسرا بهدفين لهدف، والثانية عام 1986 بجنيف وانتهت بفوز السويسريين بهدفين دون رد.
إذ ستكون مباراة فجر الجمعة المقبل، 3 جويلية 2026، هي المرة الأولى تاريخيا التي يتقابل فيها القميص الأبيض والأخضر الجزائري مع القميص الأحمر السويسري على أي مستوى في فئة الكبار في بطولة رسمية، وتتجاوز هذه المواجهة قيمتها الفنية المجرّدة لتكتسي أبعادا إستراتيجية ونفسية معقدة، محورها الأول هو المدير الفني للمنتخب الجزائري، فلاديمير بيتكوفيتش، الذي يحمل الجنسية السويسرية وقاد منتخب سويسرا تاريخيا في يورو 2016، مونديال 2018، ويورو 2020، وهو ما يمنح المواجهة القادمة في دور الـ32 بطابعا جد خاص.
وتكمن خصوصية المباراة في أن المدرب البوسني السويسري يقود مشروعا كرويا جديدا مع “محاربي الصحراء”، في حين يواجه على الطرف الآخر منظومة كروية ساهم هو نفسه في صياغة هويتها الحديثة وإرساء دعائمها الفنية على مدار سبع سنوات كاملة قضاها على رأس العارضة الفنية لمنتخب سويسرا، محققا معهم طفرة تكتيكية ونتائج تاريخية في البطولات الأوروبية والعالمية، هذا الترابط الوثيق يضع بيتكوفيتش أمام اختبار حقيقي للمهنية والاحترافية الرياضية، إذ إن مواجهة منتخب يمثل موطنه الثاني ومسيرته الأبرز تفرض عليه فصلا تاما بين العاطفة والواجب المهني، ومن المتوقع أن يتبنى المدرب نهجا واقعيا صارما مستندا إلى معرفته العميقة والدقيقة ببنية الكرة السويسرية، وآليات تفكير لاعبيها، والركائز الأساسية التي ما زالت تشكل قوام الفريق، مثل النضج التكتيكي والالتزام الدفاعي والقدرة على التحول السريع.
الميزة الإستراتيجية التي يمتلكها المنتخب الجزائري في هذه المواجهة تتمثل في قدرة مدربه على قراءة نقاط القوة والضعف لدى الخصم بدقة تكاد تكون مطلقة، حيث يعلم بيتكوفيتش كيف يتعامل مع المنظومة الدفاعية السويسرية وكيفية اختراق خطوطها، مثلما يدرك تماما مكامن الخطر في خط الوسط السويسري بقيادة عناصر الخبرة، ومع ذلك، فإن هذه المعرفة النظرية لا تضمن التفوق التلقائي ما لم تقترن بقدرة عالية على تكييف أدواته الحالية في تشكيلة المنتخب الجزائري لتنفيذ تلك الأفكار بفعالية على أرضية الميدان، خاصة أن الكرة السويسرية طورت أيضا من أساليبها لتواكب المتغيرات الحالية.
في المقابل، يدرك الجانب السويسري أن مواجهة بيتكوفيتش تعني مواجهة مرآة تكتيكية تعي أدق تفاصيلهم، مما يفرض عليهم الحذر ومحاولة إدخال تعديلات ومفاجآت خططية للحد من ميزة المدرب المعرفية والتاريخية، وفي المحصلة، تبرز هذه المباراة كصراع شطرنج رفيع المستوى بين مدرب يسعى لإثبات كفاءته العالمية مع منتخب عربي وإفريقي طموح، ومنظومة أوروبية مستقرة تسعى لتجاوز عقبة قراءتها التكتيكية، مما يجعل الاحترافية والهدوء هما الفيصل في تحديد هوية المتأهل إلى الدور القادم.
يمتلك “أرشيف” خصم الجزائر القادمبيتكوفيتش… “الصندوق الأسود” الذي يقلق السويسريينتشهد الأوساط الرياضية والإعلامية السويسرية حالة من الحذر الشديد والترقب المعقد مع بدء العد التنازلي للمواجهة المرتقبة أمام المنتخب الجزائري يوم الجمعة المقبل، لحساب دور الـ32 من نهائيات كأس العالم في كندا، هذا القلق السويسري المتزايد لا يعود فقط إلى الأداء الفني القوي والنجاعة الهجومية العالية التي أظهرها المنتخب الجزائري خلال مباريات دور المجموعات، بل يتركز بالدرجة الأولى على وجود المدرب فلاديمير بيتكوفيتش على رأس العارضة الفنية لـ”محاربي الصحراء”، وهو الذي قاد منتخب سويسرا تاريخيا في بطولات كبرى شملت يورو 2016، ومونديال 2018، ويورو 2020، فضلا عن كونه يحمل جنسيتها، مما يجعله العارف الأكبر بأدق تفاصيل منظومتهم الكروية والخططية.
وفي غرف الملابس المغلقة، لا يحتاج المنتخب الجزائري إلى الكثير من أشرطة الفيديو لدراسة خصمه، فعقل مدربهم فلاديمير بيتكوفيتش يضم الأرشيف الأكبر للكرة السويسرية، التحضيرات النفسية والخططية قبل المباراة ستتركز حول كيفية استغلال المدرب لثغرات يعرفها جيدا في المنظومة السويسرية، وتحذير لاعبيه من مكامن الخطورة التقليدية للخصم، هذه المعرفة العميقة والجاهزة تمنح الجانب الجزائري ميزة إستراتيجية واضحة في قراءة أوراق المنافس وفك شيفراته التكتيكية، وتوقع تحركاته الخططية الأساسية قبل بدئها وتطبيقها على أرض الميدان، مما يختصر الكثير من الوقت والجهد في الحصص التدريبية والتحضيرية التي تسبق اللقاء.
في المقابل، تعكس التقارير والتحليلات الصادرة من معسكر المنتخب السويسري تخوفا حقيقيا وملموسا من هذه الميزة المعرفية الاستثنائية التي يمتلكها مدربهم السابق، ويرى المحللون والخبراء في سويسرا أن فريقهم الحالي بات مكشوفا تكتيكيا بشكل كامل أمام بيتكوفيتش، الذي ساهم على مدار سبع سنوات كاملة في صياغة الهوية الفنية الحالية لهذا الجيل، وأشرف على تطوير ركائزه الأساسية وآليات بناء اللعب لديه.
ومع ذلك، يطرح المتابعون سؤالا جوهريا حول ما إذا كانت تركيبة المنتخب السويسري قد تغيرت منذ ذلك الحين، والواقع يشير إلى أن الفريق يمر بحالة “تلاقح” بين الاستمرارية والتجديد، فمن جهة، مازالت سويسرا تحتفظ بنواة صلبة من “الحرس القديم” وامتداد جيل بيتكوفيتش، متمثلة في عناصر قيادية مثل جرانيت تشاكا، مانويل أكانجي، يان زومر، وبريل إمبولو، وهي الأسماء التي يعرف المدرب البوسني السويسري خصائصها الفردية بدقة، ومن جهة أخرى، ضُخت دماء جديدة وأفكار مختلفة في التشكيلة عبر دمج عناصر شابة وسريعة طورت من حركية الفريق، بجانب اعتماد الأجهزة الفنية اللاحقة على أساليب خططية مغايرة تمنح الفريق مرونة أكبر وتعتمد على التحولات السريعة والضغط العالي.
هذا التطور الخططي يفرض ضغوطا إضافية وهائلة على الجهاز الفني الحالي لمنتخب سويسرا، الذي يجد نفسه في سباق مع الزمن ومطالبا بالبحث عن حلول بديلة وإدخال تعديلات غير متوقعة على أسلوب اللعب المعتاد، في محاولة صعبة لإرباك الحسابات المسبقة لبيتكوفيتش والحد من فاعلية خططه المضادة وقدرته العالية على التنبؤ بخطواتهم، وتتجاوز هذه المعركة حدود الجاهزية البدنية لتصبح صراعا ذهنيا مباشرا، يسعى فيه كل طرف إلى فرض أسلوبه، في حين يبقى بيتكوفيتش بما يملكه من معلومات وخبرة متراكمة بمثابة المفتاح التكتيكي الأول الذي يقود طموحات الجزائر لتجاوز هذه العقبة الأوروبية بنجاح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك