منذ تاريخ 25 تموز/ يوليو 2021، حين اتخذ الرئيس التونسي قيس سعيّد سلسلة تدابير انقلابية صارخة، تضمنت حلّ البرلمان ومجلس القضاء وإلغاء الدستور واستبداله على عجل، لم تتوقف تونس عن تسجيل وقائع يومية تؤكد مسارات الانحراف عن ثورة كانون الثاني/ يناير 2011 التي طوت صفحة الاستبداد وبشرت بتونس مستقبلية أكثر حرية وأفضل تنمية.
وفي عداد أشد إجراءات سعيّد وأداً للحريات المدنية والعامة، ونسفاً لمبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، كان تحويل المحاكم إلى أدوات تسيّرها إرادة السلطة بهدف تصفية الخصوم على اختلاف تياراتهم ومواقعهم، وخنق أشكال المعارضة والاحتجاج سواء اتخذت صفات سياسية وحزبية ونقابية، أو انتهجت منافذ حرية التعبير عبر الصحف والمواقع الإعلامية أو حتى وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن الواضح أن الكيل طفح بشرائح واسعة من أبناء الشعب التونسي، خاصة أولئك الذين أخذوا على عاتقهم مسؤوليات تمثيل الرأي الشعبي العام والسياسي والاجتماعي، ودفعوا ويدفعون الأثمان عبر إخضاعهم لتنكيل القضاء وزجهم في السجون.
وفي هذا المضمار شهدت أحدث الوقائع نشر رسالة مشتركة وقعها 11 سجيناً سياسياً بارزاً، تدعو إلى «الوحدة من أجل استعادة الحرية والديمقراطية».
وكان بين الموقعين رئيس «جبهة الخلاص الوطني» أحمد نجيب الشابي والقيادية في الجبهة شيماء عيسى والعضو فيها جوهر بن مبارك، والوزير السابق العياشي الهمامي، ورئيس «حركة النهضة» راشد الغنوشي والقيادي السابق فيها عبد الحميد الجلاصي، والأمين العام لـ»الحزب الجمهوري» عصام الشابي، والأمين العام السابق لـ»حزب التيار الديمقراطي» غازي الشواشي.
وإذا كانت المفارقة تتمثل في أن استبداد سعيّد قد أتاح لهذه القوى المعارضة أن تؤجل خلافاتها لصالح «حوار بناء»، يسعى إلى «استرجاع مكاسب الانتقال الديمقراطي، المهمة المشتركة والجامعة لكل الديمقراطيين، والمهمة المركزية للمرحلة التاريخية الراهنة»، فإن الدلالة الأهم هي اتفاق هذه المجموعة المتنوعة على أن تونس عادت «إلى المربع الأول للاستبداد والحكم الفردي المطلق»، خاصة أيضاً في ضوء خضوع غالبية الموقعين على الرسالة إلى أحكام بالسجن في قضية سيئة الصيت تُعرف باسم «التآمر على أمن الدولة».
وبصدد هذه «القضية»، لا تُنسى ملابسات عجيبة اقترنت بها وكانت خارج كل قانون وعرف، ولم تتجاسر عليها محاكم زين العابدين بن علي نفسه، مثل إجراء المحاكمات عن بعد وعن طريق الفيديو، من دون حضور الموقوفين إلى قاعة المحكمة، مما أسفر عن اضطرار محامي الدفاع إلى مقاطعتها.
وعلى منوال المهازل ذاتها، حُكم بالسجن 25 سنة على سهام بن سدرين الناشطة الحقوقية التي ترأست الهيئة الدستورية للعدالة الانتقالية، بتهمة تزوير التقرير النهائي للهيئة، فلم تتأخر بن سدرين في رفض المحاكمة بأسرها، معتبرة أنه «لم يعد هناك قضاء في تونس، بل دولة بوليس».
فإلى أي درك ينحدر النظام التونسي، إذ يوشك انقلاب سعيّد على اختتام خمس سنوات، والقضاء يواصل الانضواء في خانة الأجهزة الأمنية والسياسية والحكومية التي يستخدمها قصر قرطاج لإدامة الاستبداد، وسط سلسلة من انحطاط مستويات العيش، وتدهور الاقتصاد والخدمات العامة، وتفاقم الغلاء؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك