بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، واستقرار الثقافة عبر منظومات وأنسقة أدبية متعددة المنافذ والأهداف والمرامي، ظهرت حركات أدبية وتيّارات ثقافية وموجات شعرية وتشكيلية وموسيقية ومسرحية مختلفة، من ضمنها التجارب الجيليّة، جيل يتفق حول ظاهرة معيّنة تتلبّسه، أو فكرة جديدة يصوغها لتكون شاغله وهدفه، فتشيع وتغدو ظاهرة جمالية وتعبيرية وفنية لم تكن سائدة من قبل، ثم يُقبِل عليها الشباب الطالع، وهذا ما حدث في العالم العربي، أسوة وتمثّلاً وتأثّراً بما حدث للأجيال الأدبية في العالم.
في العراق، على سبيل المثال، نهضت في نهاية الأربعينيّات أجيال أدبية روائية وشعرية وموسيقية ومسرحية، ففي المجال الروائي ظهر الرواد الأوائل، وهم فؤاد التكرلي، غائب طعمة فرمان، عبد الملك نوري، إدمون صبري، وذو النون أيوب.
وفي الشعر كان السياب والبياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري، ثم تلاهم بعام أو عامين محمود البريكان وحسين مردان وشاذل طاقة ولميعة عباس عمارة.
هذا حصراً جيل الرواد الشعري وما تفرّع عنه بعد الأربعة الكبار، ثم جاء بعدهم بسنوات قليلة الجيل الخمسيني الشعري، وهم سعدي يوسف، يوسف الصائغ، رشدي العامل، محمد سعيد الصكار، موسى النقدي، صلاح نيازي.
ويمكن حصر هذا الجيل وأعني الخمسيني بشاعرين بارزين هما سعدي يوسف ويوسف الصائغ، وبعد هذين الاسمين وما يتفرّع عنهما ظهر الجيل الستيني وهو جيل صاخب ومتعدد الأسماء والعناوين ويبدأ بفاضل العزاوي، حسب الشيخ جعفر، سركون بولص، مؤيد الراوي، سامي مهدي، حميد سعيد، صادق الصائغ، عبد الرحمن طهمازي، ياسين طه حافظ، فوزي كريم، جليل حيدر، صلاح فائق، عبد القادر الجنابي.
غبّ ذلك سيتفرّع من الستينيين بعد عام وعامين، عدة شعراء سيكملون المسيرة الستينية، ولا تعرف أين ستضعهم، كونهم سيتصلون زمنياً بالجيل السبعيني.
كتابتي هذه ليست إحصاءً، بل جاء عدّ الأسماء الشعرية لغرض ما، هو البقاء والتواصل والرسوخ الإبداعي، الذي بقي ووسَم بعض الأسماء عبر نتاجاتهم ومساهماتهم ورسوخ أفعالهم الإبداعية، فمن الرواد ظلت مكانتهم كما هي بارزة ومؤثرة، مع فارق بسيط بين كل واحد منهم، ويمكن وضع السيّاب في المقدمة يليه من ناحية التأثير الأدبي والإبداعي والذيوع الإعلامي البياتي، وفي سياق أقل تأثيراً من البياتي والسياب الشاعر بلند الحيدري ثم نازك الملائكة، وبالنسبة لنازك فإن ذلك يعود لأسباب عدة لا يستوعبها هذا الحيّز، منها مسألة تراجعها بخصوص التحوّل الحداثي، والسبب الثاني كونها امرأة من عائلة محافظة، وثالثاً تراجع نتاجها الشعري بعد انطلاقتها الأولى، ومحدوديّة تناولها للمواضيع الحياتية والفنية، ثمّ ندرة تحليق الخيال نحو الأجد والأحدث والأبعد جمالياً وفنياً وتعبيرياً، فضلاً عن استغراقها المديد في عالمها الرومانسي والدوران في دائرة شبه سوداوية داخل عالمها الكئيب إلى حدّ ما.
بالنسبة للشعراء اللاحقين بالروّاد، يمكن الإشارة إلى الشاعرين محمود البريكان وألفريد سمعان، ومن الخمسينيين لم يبق سوى اسمين هما سعدي يوسف وبدرجة أقل يوسف الصائغ.
بعد الستينيين وصخبهم المدوّي، عبر مجلتي «الكلمة» و»الشعر 69» و»البيان الشعري» الذي كتبه فاضل العزاوي شخصياً، لم يتبق من هؤلاء الشعراء سوى بعض الأسماء التي أعطت وجددتْ ومنحتْ للشعر أفقاً وفضاءً مختلفين عما جاء به الروّاد، واستمرت في العطاء المتواصل، وهي قليلة ولا تتعدّى أصابع اليد الواحدة، بالنسبة للأسماء الكثيرة التي ورد ذكرها ونشرَتْ في عدد مجلة «الكلمة» الخاص بالشعراء الستينيين وكذلك في مجلتي «النفط «، و»الأقلام» التي استوعبت نتاجات بعضهم، وخصوصاً المقرّبين من سلطة النظام الحاكم حينذاك.
بعد سفري إلى خارج العراق في نهاية السبعينيّات، كان الجيل السبعيني في أوج نشاطه الشعري، وحين عدت التقيت الشاعر زاهر الجيزاني في كردستان العراق في مطلع التسعينيّات، فذكّرني بما قلت له مرة في بغداد بإننا آخر الأجيال الشعرية.
قد يصح هذا القول لو طبّقناه على الجيل الذي تلانا لوجدنا تبعثر أصواته، رغم أن السلطة سعت إلى ضمّه إلى جانبها عبر الإغراءات المالية وإصدار مجلة ودار نشر خاصة بهم، ولكنهم سرعان ما انفرطوا وهاجروا لأسباب شتى.
الجيل السبعيني أيضاً خضع للموالاة كالجيل السيتيني، تحت ثنائية شيوعي ـ بعثي، بسبب سعة هذا الجيل وكثرة أسمائه.
مرة أجريت إحصاءً وضعته في قائمة للأسماء الشعرية، التي ظهرت ونشرت في فترة السبعينيات، فحصلت على مئة اسم، وهذه القائمة لا تزال موجودة عندي، وأستطيع نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، إذا طالبني بها أحد الساعين من النقاد لأمر أدبيّ ما.
بيان القول في خلاصة كل ما أوردته هو أن الذين صمدوا أمام الزمن هم دائماً نادرون وقليلون، فالجيل السبعيني لم يبق منه من واصل واستمر في الكتابة الشعرية والنشر سوى اسمين أو ثلاثة، رغم الضجيج الذي واكب هذا الجيل من الجهتين الشيوعية والبعثية، ورغم وسائل النشر التي توفّرت لهم وكانت بكثرة مثل مجلة « الثقافة» و»الثقافة الجديدة» وصحيفة «طريق الشعب» والعدد الأسبوعي من صحيفة «الفكر الجديد» ومجلة «الكلمة» و»الأقلام» و»الأديب المعاصر» و»أسفار» وصحيفة «التآخي» و»الثورة» و»الجمهورية» و»القادسية» وغيرها من الدوريّات والملاحق الثقافية.
إن شيوع مبدأ الأجيال، الذي جاءنا من الخارج، عبر ظهور تسميات جيلية شعرية عالمية، كجيل البِيْت، في أمريكا، والجيل الضائع في بريطانيا، وجيل 28 في إسبانيا، وتظاهرات الطلبة والشباب في باريس، وشيوع الموضات الحديثة، في الأدب والفن والسلوك، مثل ارتداء الملابس اللافتة للنظر وإطالة الشَّعر وعدم الاهتمام بالمظهر الخارجي، كلها وفدَت إلينا في مرحلتَي الستينيّات والسبعينيّات، فشهدنا ما شهدنا في اللباس، الشارلستون للشباب والتنورة القصيرة للفتيات وتعاطيهنّ للتدخين إسوة بالرجال، وإطالة الشعر الطويل المهمل للشباب، وكذلك إطالة ظفر الأنملة للشباب أيضاً، هذا ناهيك من الاختلاط اليومي عبر الجامعات، كالخروج في نزهات مشتركة، والميل إلى الرقص وتناول الشراب في بعض الحالات.
كان العالم في تلك الأزمنة فاتناً وبهيّاً، فيه ملامح تفتّح وإقبال على المشاركة الحياتية، ونبذ القيود، والتحكّم الذاتي بالإرادة الشخصية للفرد والكائن الاجتماعي، المتطلّع إلى أنوار جديدة وأفكار مختلفة وروح مغايرة، رغم العوائق التي كان تضعها السلطات، لمن يختلف معها ويعارضها في الأفكار والتوجّهات والقضايا الإنسانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك