العربي الجديد - الاحتلال يعتقل 65 طالباً فلسطينياً بالثانوية العامة منذ مطلع 2026 العربي الجديد - نيمار يدخل على خط توقعات الخبير الألماني بعد تنبؤه بخروج البرازيل قناة التليفزيون العربي - الجيش السوداني يصدم قوات الدعم السريع في منطقة سركم وجبهات مواجهة تشتعل التلفزيون العربي - حملة ضد الفساد بالعراق.. ضبط أكثر من 14 مليون دولار مع وكيل وزير النفط قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار الثانية عشرة صباحا من القاهرة الإخبارية قناة التليفزيون العربي - قرار بإعفاء رئيس المخابرات العامة من مهامه يثير جدلا داخل المجلس الرئاسي الليبي رويترز العربية - مفاوضون من أمريكا وإيران يتوجهون للدوحة لكن اجتماعهم غير مؤكد CNN بالعربية - بزشكيان يوجه "تحذيراً" لأمريكا وسط تضارب التصريحات بشأن "اجتماع الدوحة" قناة الجزيرة مباشر - Paraguay leads Germany by one goal in the first half of the Round of 32 match التلفزيون العربي - الفنانة هبة مجدي تثير قلق جمهورها برسالة مؤثرة عن مرضها
عامة

متى تولد الأسماء من الأشياء؟

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

في مقال طريف عنوانه علم دلالة الشيء، يرى رولان بارت أنّ الشيء لا يمكن فصله عن وظيفة نسندها إليه، لكنّ معناه دائما ما يكون مستقلا عن وظيفته ولا يوجد شيء في رأيه ينفلت من المعنى. وهو يعتقد أنّ معنى الشي...

في مقال طريف عنوانه علم دلالة الشيء، يرى رولان بارت أنّ الشيء لا يمكن فصله عن وظيفة نسندها إليه، لكنّ معناه دائما ما يكون مستقلا عن وظيفته ولا يوجد شيء في رأيه ينفلت من المعنى.

وهو يعتقد أنّ معنى الشيء يبدأ حين ينتج مجتمع معين الشيء ويستهلكه.

تتداخل وظائف الشيء ومعانيه وتلتبس في كثير من الأحيان، لكنّ المعنى في رأي بارت «حقيقة ثقافية ومنتج من منتجات الثقافة»، فعلى سبيل المثال، والمثال لي، فإنّ الإنسان وهو يبحث عن اختراع ما إنّما يكون في سعي إلى أن يخترع معنى يجعل له اسما.

حين اخترع الإنسان البدائيّ السلاح من الحجارة المصقولة كانت الحجارة في شكلها الطبيعي حجارة، لكنّها حين صقلت بهدف أن يستعملها الإنسان للصيد صار لها معنى آخر بعد أن لم يكن.

الحجارة وهي تصقل لم تعد حجارة فقدت هويتها باعتبارها صخرة بالصقل والتهذيب، على الرغم من أنّ شيئا كثيرا من مادتها وهيئتها الحجريّة الأولى ظلّ ماثلا.

قياسا عليه كان القمر في السماء شيئا مبهما وكوكبا لا مسمّى قبل أن يرى فيه من سمّاه أوّل مرّة، دورا مميزا وأسند إليه وظيفة.

هناك حالتان من اقتران الاسم بالمسمّى الذي يحيل على الخارج، سواء أكان شيئا أم موضوعا: الحالة الأولى أن يُبتدع الشيء ثمّ يُسَكّ له اسم مثل السلاح الذي تحدّثت عنه ومثل أيّ آلة تبتدع لحاجة معينة من حاجاتنا اليومية، فإنّها تجد مسمّاها ويسند إليها معنى وتصبح لها وظيفة.

والوظيفة يمكن أن تتغيّر، ولكنّ المعنى ثابت بثبوت الأسماء.

العصا التي كان يهشّ بها الراعي على غنمه، أو التي عليها يتكئ عند التّعب من الوقوف، أو التي يشير بها لكي ينادي راعيا آخر من بعيد تظل عصا، بل إنّ العصا التي ألقاها موسى وصارت حيّة، كما في التنزيل، كانت في الأصل وعند وصف الحدث عصا.

في مشهد مسرحيّ، حين يضع الممثل يديه في حذاء ويمشي به فإنّ اليد تظل يدا والحذاء الذي يوضع في الأصل في الساق يظل حذاء ولا يتغير معناه.

أمّا الحالة الثانية من اقتران الاسم بالمسمّى، أن يكون للشيء اسم، ولكن يبحث عنه الإنسان في تمظهرات الأشياء في الوجود.

فإذا كنت في ثقافة لا تعرف التفاح وانتقلت إلى حضارة تعرفه، وأخبروني عن هذه الثمرة فسأتكهن وأنا في سوق الغلال، أيّ الغلال قد يكون هو التفاح.

كذلك الأمر إن أرسلوني أنا الذي لا يعرف أنواع السمك، كي أشتري لهم سمكا معينا فإنّي سأتكهّن في سوق السمك ما يكون ذلك النوع ولن يحدث الالتصاق السعيد بين الاسم الذي أعرف والمرجع الذي لا أعرف إلاّ إذا عرّفني أحدهم به.

في سورة الأعراف (75- 78) حدث لإبراهيم الخليل شيء شبيه بهذا فلديه معرفة بالاسم (ربّي) ولكن ليس له في الموجودات المرئية شيء يمكن أن يطابقه.

رأى كوكبا فقال هذا ربّي ولكنّه أفل ورأى قمرا فقال هذا ربي وأفل (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ).

يوجد اسم وتصوّر عن الإله عند إبراهيم أنّه لا يأفل فهو أبديّ الوجود، ولذلك ظلّ في تجربة متجدّدة بتجدّد الأفول في ما ظنه ربّه.

يصعب أن يكون لديك اسم لا يقترن بتصوّر يقرّبه إن كان مجهولا، من حيّز الإدراك المثبت له.

فعلى سبيل المثال فإنّي حين أبحث وأنا في أرض موازية عن التفاح، من الصّعب أن أبحث عنه من غير سمات تقرّبه.

الفرق بيني وبين إبراهيم هو أنّه يبحث عن مسمّى لذات مطلقة يؤمن بها وأبحث أنا عن غلال أستهلكها فجهلي لا قيمة له من الناحية الإيمانية التي لدى إبراهيم؛ ولكنّا إنْ كنّا لا نستوي في هذه الناحية العقدية، فإنّنا نستوي في الناحية اللغوية، فكلانا يبحث عن مرجع ملموس يكمل به المطابقة بين الاسم الموجود في الذهن والمسمّى الموجود في الواقع.

بحثي أنا عن التفاح في حيّز المبصرات ممكن؛ وبحث إبراهيم الخليل عن ربّه في حيز المبصرات عبث؛ ولذلك ضرب صفحا عن البحث في هذا العالم وأسلم إيمانه إلى مجرّد لا تراه العين المجرّدة.

الشّيء الذي أبْحث عنه له اسم هو التفّاح وله معنًى وله وظيفة: إنه من الغلال يؤكل؛ والمفهوم الذي يبحث عنه إبراهيم له اسم ونسبة إلى الذات (ربي) وله معنى وله وظيفة عباديّة.

ولكن في مرحلة متقدّمة من معاشرتنا للأشياء التي لها أسماء ووظائف تظهر العلامات وتقترن بقراءتنا للأشياء أو المواضيع: فالمعطف، حسب بارت يحتفظ باسمه وبوظيفته حتّى إن استعملناه علامة دالّة على فصل الشتاء والإمطار.

يحافظ المعطف على اسمه، حتى لو غيّرنا وظيفته؛ ففي عالم الموضة مثلا تعرض معاطف مطر لا تحمي من المطر، كما يقول بارت.

إنّ العلامة تتحوّل عندئذ في رأيه إلى وظيفة متخيّلة أو غير واقعية.

يبدو الاسم مقترنا بالشيء أكثر من اقترانه بوظيفته، أو من إسناد علامات إليه لذلك يعتقد بارت أنّ الأسماء وإن كانت من شأن الثقافة التي تبتدعها فإنّها تلبس لبس الطبيعة.

الفصل بين الشيء أو الموضوع واسمه ووظيفته في كلامنا هذا هو فصل منهجي للتمييز لأنّ المتصورات يمكن أن تقود إليها العلامات وهذا في حالة بحث النبي إبراهيم عن ربّه.

فالعلامة المنفيّة (الأفول) هي التي تجعله يغيّر وجهة بحثه عن الله كما في تصوّره.

والوظيفة الإيمانية والعلامة عليها مترابطتان ترابطا متصلا، لأنّ الإيمان بالإله الذي لا يزول، يجعل الباحث عن ربّه يتنقّل من مرئيّ غير ثابت إلى مجرّد قابل للثبات.

لنفترض أنّ إنسانا آخر غير إبراهيم مسكون مثله بالبحث عن الله وبدلا من أن يصل إلى أنّ الله لا يمكن أن يتجلّى في الكوكب والقمر والشمس وأنّه غير مرئيّ، غير متنقّل يصل إلى أن يصنع له تمثالا يعبده أو طوطما يقدّسه؛ فبمنظارنا نحن اليوم أو بمنظار إبراهيم الذي توصّل إلى اليقين، فإنّ ما يصنعه هذا العابد هو شيء خارج الأنساق، أو بعبارة أخرى هو تمثيل حرّ للإله، ونحن لن نرى الصنم أو الطوطم إلها، بل سنراه إذا كنّا متديّنين موحّدين علامة على «زيف» العقيدة، وهي التي ستوسم باسم الشرك في بداية الدعوة المحمّدية؛ لكنّ عبادة الأصنام والطواطم، قبل خلق العقيدة الجديدة كانت هي العقيدة.

لو فرضنا أنّي وأنا أصل إلى غلال مزيّفة غير التفاح (الخوخ مثلا) وأسمع أنّ شراب التفّاح نافع، فسأصنع خطأ شراب الخوخ وأقدّمه إلى ضيوفي الذين يعرفون التفّاح، وهم سيعتمدون الشراب الذي أقدّمه إليهم علامة على «زيف» مطابقتي بين التفاح ومرجعه وربما شربوا العصير على أنّه عصير خوخ ولم يخبروني أنّني أخطأت الغلال فيذهب في ظني غير الذي يذهب في ظنهم من الدلالة.

سينظر إليّ زوّاري على أنّي شخص يحتاج أن يرتّب الأسماء ويحسن ربطها بمرجعيّاتها وقد يعتبرونني مضيّعا للبوصلة في كثير من المفاهيم الأخرى، وحين أحدثهم وأمازحهم سيبحثون في كلامي عن هذه الأمور غير المتوازية التي تجعلني أسمّي الخوخ تفّاحا.

وربّما استقصوا عن اسم الخوخ عندي ما يكون.

لكني سأكون متوازنا من جهة إسنادي للمدلول دالا واحدا: صحيح أنّه ليس هو الذي لدى المجموعة، لكنني سأصل إلى تعديل التسمية كي يستقيم التفاهم بيننا ذات مرة.

ليس غريبا غرابة كبرى أن أسمّي الخوخ تفاحا، ففي نشاطنا اليومي يمكن أن نسمّي الأشياء بغير أسمائها ونقبل بذلك: حين تنظر إليك حبيبة بطرف عين فإنك ستقول إنّها جرحتك، ولن تقول ذلك مجازا، بل ستشعر بأنّك جريح كليم لأنّك لم ترَ عينا مبصرة، بل سهما منطلقا أنت هدفه، لن تصاب عندئذ بعمى الأسماء، بل ستكون في عالم يسمح لك بأن تغيّر العادات اللغوية وتستعير من اللغة بعضا من كلماتها لأحاسيس أخرى لم توضع لها.

والمشكلة أنك وأنت تصف جرحا غير موجود تكون قد تألمت فعلا غير أنّه لن يصدّقك من حمل كلامك على المجاز الكاذب أو المقابل للحقيقة.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك